خيري منصور

لولا البرامج الاجتماعية والتربوية والسياحية التي تقدمها الفضائيات العربية عن بلداننا لكان المشهد اليومي على مدار الساعة جحيمًا بسحب من دخان وغبار ودم لا يتوقف نزيفه، ويأس يحجب الآفاق كلها، لكن البرامج ذات الصلة بالجماليات والمعمار وأنماط الحياة في مدن حديثة تجعل هذا الواقع رغم فظاعته مُحتملاً، لأن الحياة مهما بلغت من السوء يبقى لها وجهان، وابتسامة طفل حتى لو لمعت في مجزرة لها مفعولها الوجودي لأنها دفاع باسل عن المستقبل وعن حق الإنسان في لحظة تحرره من وقت كله رماد.
ويبدو أن هناك فارقًا كبيرًا بين من يبشرون بالحياة ويستخدمون اللون الأخضر في تعابيرهم عن الوجود، إلا أنه بالمقابل من يعبرون عن انحيازهم للمستقبل بأساليب أكثر عملية. وقبل أيام فقط شاهدنا على إحدى الشاشات مهندسًا عربيًا مهتماً إلى أبعد حد بالطفولة وما تتعرض له من هدر، قدم مشروعاً لا يخطر ببال أحد عن اختراع أحذية للأطفال يمكن إطالتها خمسة أضعاف خلال نمو الطفل، بحيث لا ترمى، ويستغنى عنها عندما تكبر القدم. ولا بد أن هذا المهندس فكّر أعوامًا بمشاريع من هذا الطراز. والطفل العربي الذي يولد محاصراً بمناخات متوترة وبمعجم لغوي بالغ السواد سيبقى فريسة لثقافة عمياء إذا لم تلتفت إليه مؤسسات اجتماعية ووطنية لإنقاذه والدفاع عما تبقى من عاطفته الوطنية وعافيته الإنسانية .
وحبذا لو تعطي مؤسسات رعاية الأطفال أكثر ما تستطيع كي لا يصبح المجتمع ملغومًا ويتفجر من داخله، وقد لا يدرك البعض ما قاله ووردزورث البريطاني وهو أن الطفل أبٌ للرجل، لأنه لم يقصد التلاعب بالكلمات، والطفولة هي المقتنى الإنساني والوطني الأغلى، وهي كالملح الذي إذا فسد فسد كل شيء !

[email protected]