خيري منصور

ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، شخصيات شديدة التفاوت من حيث فاعليتها السياسية، وكان بعض هؤلاء يفيض باسمه ومنجزاته عن جملة الألقاب والمناصب التي شغلها. وكان كيسنجر من أبرز تلك الأسماء التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في الحرب الباردة، لكن جون ماكين له حكاية أخرى، فهو محارب قديم شارك في الحرب الفيتنامية كطيار، وأصيب بجراح في الحرب لم تندمل حتى وفاته، إضافة إلى أنه أُسر لخمس سنوات.
وحين نصف علاقات ماكين بأنها إشكاليه، فذلك لأنها لم تكن أحادية البعد أو صارمة، فقد حرّض على الحرب ضد العراق، لكنه اعترض على التعذيب والتعامل المتوحش مع أهل البلاد، ورغم أنه جمهوري مزمن إلا أنه لم يحوّل الأيديولوجيا إلى زنزانة، وكانت له خصومات عديدة مع قادة ورموز من الحزب الجمهوري، وكان من أوائل المعترضين لترشح ترامب الذي وصفه بأنه لا يصلح لأي عمل على الإطلاق، وكرر الوصف على نحو أشد بعد لقاءات لترامب مع زعيم كوريا الشمالية والرئيس التركي أردوغان.
في البداية تعرّضت أطروحات ماكين إلى استخفاف من بعض الأوساط، وتصوّر البعض أن المحارب القديم لم يغادر مقصورة الطائرة العسكرية إلى العمل السياسي دون أن يحمل في ذاكرته وأساليب تفكيره ذلك (الكاراكتر) العسكري، لكن بمرور الوقت أصبح ماكين سياسياً، وكان منافساً لأوباما في انتخابات الرئاسة، ولو أصبح رئيساً لربما فوجئ الأمريكيون بما لديه من تصوّرات حول بلاده والعالم، وحين نسميه شخصية إشكالية لا تقبل الاختزال في مواقف راديكالية، فإن في ذلك شيئاً من الافتراء عليه، خصوصاً موقفه من الحرب على العراق، فقد حرّض عليها وحاول تبريرها، لكنه في النهاية كان مختلفاً في موقفه من التعذيب.
أما ذروة إشكاليته فهي رفضه لحضور ترامب جنازته، ولعله كان يشعر أن حضور أمّه التي بلغت من العمر مئة وستة أعوام يعوّضه عن أي بروتوكول !

[email protected]