مبارك سعيد الشامسي

التعليم النوعي والتنمية أمران متلازمان على نحو جدلي، فالتعليم النوعي يؤسس للتنمية، والتنمية بدورها تخلق الظروف التي يتطور في سياقها التعليم ليغدو أكثر انسجاماً مع عصره وزمانه. غير أن الإشكالية تبرز في تعريفنا للتعليم النوعي. ما هي النوعية التي نقصدها بالضبط؟
الأمم المتحدة، وفي أهدافها للتنمية المستدامة 2030، وضعت مقصداً واضحاً للتعليم النوعي يتعين على الأمم والشعوب العمل على بلوغه من أجل الارتقاء في سلّم التنمية. فضمن الهدف المتعلق بالتعليم دعت الأمم المتحدة إلى إحداث زيادة معتبرة في أعداد الشبان والبالغين الذين يمتلكون المهارات الصالحة لزمانهم، بما في ذلك المهارات التقنية والمهنية، ما يؤهلهم إما للحصول على العمل الكريم أو للانطلاق في رحلة الاستثمار الناجح عن طريق ريادة الأعمال.
من هنا تتضح الرؤية الحقيقية وراء استضافة أبوظبي المسابقة العالمية للمهارات 2017، برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي.
هذه المسابقة ليست مجرد فعالية احتفالية، أو حدث عادي يمكن المرور عليه مرور الكرام، ومن الإنصاف القول إنها تأتي في مرحلة دقيقة تتسم بتحولات كبرى تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة استعداداً لوداع آخر برميل من النفط، ولتدشين مرحلة جديدة من الاستدامة الاقتصادية.
لكن من يستعرض طبيعة المهن التي سيتم التنافس فيها ربما تتشكل لديه مجموعة من الأسئلة حول مدى التوافق بين هذا النوع من المهن، والتوجهات الوطنية العليا نحو العمل على صناعة المستقبل عبر بناء المدن الذكية.
وكما هو معلوم، فإن مفهوم الثورة الصناعية الرابعة يرتبط بالأتمتة وتقليل الأيدي العاملة، والتوظيف الأمثل للذكاء الصناعي بحيث يقتصر دور العامل البشري على التدقيق والمراقبة. فهل يتفق هذا التوجه مع الحديث عن ضرورة إتقان المهارات التقليدية وتطويرها والتنافس فيها؟
ثمة أمران مهمان لا بد من التطرق إليهما عند الإجابة عن هذا التساؤل:
الأمر الأول هو أن الثورة الصناعية الرابعة لا تجبّ ما قبلها بجرة قلم كما يقال. فملامح الثورة الصناعية الثالثة، وهي ثورة الحوسبة الرقمية، ستبقى مكوناً أصيلاً من مكونات المرحلة الجديدة.
أما الأمر الثاني، فهو أن الثورة الصناعية الرابعة ستفرض طبائعها وخصائصها حتى على المهارات التي ورثتها البشرية منذ مئات السنين.
ولسوف يتضح من خلال مسابقة المهارات العالمية أبوظبي 2017 أن التنافس، وإن كان يتمحور حول المهارات، فإنه يتعلق أساساً بتطبيق مفاهيم الابتكار والسرعة والذكاء ورشاقة الأداء، وهي العناصر نفسها التي تشكل - بطريقة أو بأخرى - ملامح الثورة الصناعية الرابعة.

مدير عام مركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني