طيب عبد الرحمن الريس

ذكرى «اليوم العالمي للعمل الإنساني» هذا العام لها أبعادها وسماتها الخاصة، فاجتماع العالم حول هذا الشعار في وقت اشتداد الهجمة على الإنسانية ومنجزاتها وقيمها، يمثل رسالة قوية واضحة، مضمونها أن التعاون في سبيل الخير أفضل وسيلة لتفكيك قيم الشر، ولإنتاج القيم الإنسانية التي عليها ستقوم المرحلة المقبلة.
ربما يتساءل البعض عن جدوى تكريس يوم للعمل الإنساني في هذه المرحلة الصعبة، أو عن حجم الفائدة المتوقعة من هذه المناسبة، وهل إذا كان سيحدث فرقاً على سير الأحداث؟ والحقيقة أن معادن الناس تظهر في المحن؛ بل إن المحن والأوقات الصعبة تفجر القيم الجميلة؛ لأننا نصبح بحاجة إليها من أجل شفاء جروحنا. كما أن رمزية هذا اليوم تفوق كافة الحسابات اللحظية، إنه تأسيس لفكر جديد وثقافة جديدة وعلاقات جديدة بين الناس على قاعدة العطاء والعون، إنه تذكير بهويتنا وجوهر مهمتنا على هذه الأرض؛ بل لقد أصبح جزءاً هاماً من الصراع الدائر بين الخير والشر على مستوى العالم أجمع.
وإذا كان «اليوم العالمي للعمل الإنساني» قد انطلق كتكريم لمن ضحوا بأنفسهم في سبيل هذا العمل، إلا أنه تطور ليصبح مناسبة لتسليط الضوء على أعمال الخير وجهود المؤسسات والأفراد، ومناسبة للقول إن العمل الإنساني أكثر قدرة من أي صفة أخرى على تقريب البشر بعضهم من بعض.
منذ أن كلفت بمهامي كأمين عام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القصّر في دبي، شعرت بمسؤولية كبيرة، فالعمل في مجال الخير يختلف عن أي مجال آخر، هنا ليس مسموحاً بالخطأ ولا يمكن التهاون مع التقصير؛ لأن حاجة فرد ما أو أسرة ما قد تكون على المحك، ومهما حقق الفرد من إنجاز يبقى أسيراً للإحساس بأنه كان من الممكن أن يفعل أكثر ويقدم أكثر. في مجال العمل الإنساني الضمير رقيب الفرد، وهذا الرقيب لا يرحم ولا يتوقف عن الوخز ليل نهار. إن ما يمدني بالقوة والثقة، الرعاية غير المحدودة من قبل قيادتنا للنشاطات الإنسانية في الدولة، ودعم وتوجيه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وفريق عمل مؤسسة الأوقاف وشؤون القصّر الذي لا يقل عني شغفاً ورغبة في خدمة هذا القطاع الإنساني في الدولة، ويبذل جل جهده ووقته لتجاوز العمل التقليدي، وتحقيق إبداعات نوعية؛ لتطوير العمل الوقفي، وتوسيع مساحة الساحات المستهدفة سواء داخل الدولة أو خارجها.
إن العمل الإنساني الناجح والمتميز يحتاج إلى حاضنة ثقافية وأخلاقية ترعاها مؤسسات الدولة والقطاعان العام والخاص على حد سواء، ولقد ربط المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومن بعده حكام الإمارات بين النمو الوجداني والأخلاقي للمجتمع من ناحية، ونمو القطاعات المادية من ناحية أخرى؛ فظهرت في ثقافتنا الإماراتية مترادفات لا تفترق عن بعضها، فالتنمية والإنسانية مترادفان، والتقدم العلمي والتقني والخير مترادفان أيضاً، وتميز الدولة ومكانتها بين الدول الأخرى لا تنفصل عما تقدمه من مساعدات وخير للأمم الأخرى.
من خلال هذا الدمج بين تنمية القيم والنمو المادي، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة للعالم نموذجاً قد يعتبر المخرج الوحيد للحالة التي يكابدها اليوم، فالاهتمام بتنمية القيم والأخلاق في كل مجتمع يعني أننا أمام مستقبل جديد من العلاقات بين الشعوب والأمم، ومستقبل جديد للعمل الإنساني المشترك الذي تحتاج إليه الكثير من الشعوب التي عانت ويلات الحرب والتهجير والفقر والحاجة.

الأمين العام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القصّر في دبي