أخذت مشكلة الخلل في التركيبة السكانية حيزاً استثنائياً في الحوار الشعبي الإماراتي خلال السنوات القليلة الماضية، وباتت قضية رأي عام، وفي مقدمة التحديات التي تواجه الدولة في مسيرتها النهضوية الشاملة نظراً للصور المختلفة التي اتخذتها هذه الظاهرة على مسرح الحياة اليومية سواء الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
وعلى الرغم من أن تنامي وتائر التطور الاقتصادي في الدولة لاسيما في ظل استراتيجية الانفتاح على الخارج التي تبنتها منذ البداية قد فاقم من حجم الخلل في التركيبة السكانية والمتمثلة بالغلبة العددية للوافدين القادمين من أكثر من 200 بلد يحملون معهم عاداتهم وتقاليدهم مقابل انحسار أعداد المواطنين في مختلف مواقع الحياة والعمل، فإن التطورات الأخيرة والأرقام التي تعكس الخلل المذكور فاقت التوقعات وبات شعور المواطنين بالاغتراب داخل بلده هاجساً مستمراً مع مرور الأيام.
طرحت العديد من المعالجات والسياسات وتشكلت لجان خاصة للتصدي إلى هذه الظاهرة، لكن النتيجة هي اتساع حدة الخلل في التركيبة السكانية وتصاعد المخاوف الشعبية من تشوه الهوية الوطنية وانحسار المكتسبات الاقتصادية لصالح الوافدين.
إن ظاهرة الخلل السكاني نشأت وترعرعت في إطار التطور التاريخي الطبيعي لدولة الامارات. ففي ظل تواضع عدد المواطنين مقابل تبني الدولة برامج تنموية انفجارية منذ سبعينات القرن الماضي، استدعى الأمر جلب أعداد متزايدة من العمالة الوافدة وخصوصاً الآسيوية منها التي تتسم بانخفاض الأجر مستصحبين معهم عوائلهم لتنفيذ تلك البرامج، فضلاً عما يشكله هؤلاء من قوة شرائية للطلب على المنتجات التي تقدمها المؤسسات الاقتصادية. وبالتالي فإن هذه الظاهرة أصبحت لصيقة بتطور المجتمع الإماراتي من الصعوبة الإنفكاك منها.
إن جلب تلك الأعداد الضخمة من العمالة الوافدة جاء بموجب القانون وبتصاريح زيارة وعمل وإقامة، بما يعكس وجود توجه رسمي منظم وتشريع معين لاستقبال هؤلاء واستيعابهم في سوق العمل، فضلاً عن تحول الدولة وخصوصاً إمارة دبي إلى واجهة سياحية تجتذب الملايين من الزائرين سنوياً والذين لاشك يفكر الكثير منهم البقاء في الدولة للإقامة والعمل، يجذبهم في ذلك توافر فرص العمل، وتنعم الدولة بالأمن والأمان، علاوة على ما يتسم به الشعب الإماراتي من روح التسامح والتعايش. كما لوحظ أن بعض إمارات الدولة منحت تأشيرات إقامة للمستثمرين الأجانب في القطاع العقاري ثم توقف هذا التوجه، والذي نظن أنه جاء بسبب تعارضه مع متطلبات معالجة الخلل السكاني.
وعلى الرغم من قتامة المشهد الثقافي الإماراتي اليوم، فإننا في الواقع وطبقاً للمعطيات والمسلمات آنفة الذكر لانرى ثمة إشكالاً حقيقياً يستدعي قلقاً مستمراً في الأوساط الشعبية والرسمية، ذلك لأنه وكما أسلفنا بيانه فإن ظاهرة غلبة الوافدين ليست بجديدة تماماً، كما أنها واقعاً تشكل إحدى دعامات قيام دولة الإمارات الحديثة. فالتساؤل الطبيعي الذي يفرض نفسه هو أنه مع التطور الكبير الحاصل في الحياة الاقتصادية حيث انتشار المباني السكنية والفنادق الراقية وأماكن التسلية ومراكز التسوق، وشبكة الطرقات والمواصلات، وتنوع المنتجات المعروضة في الأسواق، وغيرها، من الذي كان متوقعاً أن يستهلك ويطلب كل هذه المنتجات؟ والجواب الحتمي هو لابد من وجود كتلة بشرية تقوم بهذا الطلب، وبالتأكيد أن الأعداد المتواضعة من مواطني الدولة غير قادرة على استهلاك حتى عُشر هذه المنتجات والخدمات.
كما اننا في خضم هذه المقاربة لابد أن يكون حاضراً في أذهاننا أن من ساهم في بناء الاقتصاد الوطني إلى جانب أبناء الدولة هم الوافدون الذين نتحدث عنهم الآن، فكل منهم كان ولايزال مؤثراً في الحياة الاقتصادية بوصفه في دائرة الاستهلاك أو الانتاج أو الادخار أو الاستثمار، وطبقاً لأدبيات علم الاقتصاد فانه لافرق بين هؤلاء وبين المواطنين في الدورة الاقتصادية سوى في حقوق المواطنة والتي حتى هذه الأخيرة قد منحت بعضها للوافدين، مثل تملك العقار وممارسة النشاط الاقتصادي، وغيرها.
نحن أمام مفارقة مفادها نقد الواقع الذي ينطوي على خلل في التركيبة السكانية مقابل حاجة حتمية للوافدين في إطار متطلبات السوق والاقتصاد الوطني. من هنا يمكن أن ننطلق في تكوين ثقافة محلية بشأن ظاهرة الخلل السكاني بديلة عن أسلوب الرفض والنقد. ثقافة قوامها الرؤية الواقعية لما يجري على الأرض ومحاولة انتهاج سياسات كفيلة بتحقيق المصالح العليا للدولة. ونرى أن من أهم أركان هذه الرؤية تكريس حالة الولاء للملايين من الوافدين الذين يعملون ويقيمون في الدولة منذ عقود للدولة الإماراتية ذاتها. بكلمات أخرى، أنه عملياً أصبح لا فرق بين وافدين خصوصاً العرب يقيمون في الدولة منذ عشرات السنين ومنصهرين في المجتمع المحلي ويؤثرون ويتأثرون بكل ما يطرأ من تطورات، وبين مواطني الدولة، سوى أن المجموعة الأولى لا تمتلك الجنسية الإماراتية. وينطبق الأمر في هذا السياق على أطروحة العمالة المؤقتة التي تستخدمها الكثير من الأوساط الرسمية، حيث بات هذا الطرح تقليدياً وغير مجد في ظل المؤشرات التي تنشرها الأوساط المذكورة ذاتها والتي تفيد بارتفاع متوسط فترة بقاء العمالة الوافدة داخل الدولة إلى سنوات وعقود مقارنة بعدد حالات الغاء اقاماتهم ومغادرة الدولة.
نرى أن الحل الحاسم لهذا الاشكال يتمثل بالآتي:
تفضيل العمالة العربية على العمالة الأجنبية وخصوصاً الآسيوية منها والتي عملت على نحو صارخ على تشويه معالم الهوية الإماراتية العربية والاسلامية. علماً أن هذا الطرح متضمن أساساً في خطة دبي الاستراتيجية 2015 وخطة الحكومة الاتحادية، والتي تشكل كل منهما خارطة الطريق نحو المستقبل. وبالتالي لا مراء من القول ان تطبيق هذا المقترح يندرج في إطار تلبية استحقاقات الخطط الاستراتيجية للدولة، وبالتالي فهو واجب وطني مفروض على مختلف الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة. ولا نظن أن في هذا التوجه تعارضاً مع القوانين الدولية سيما وأن الكثير من التجارب العالمية في أوروبا وكندا تستخدم مثل هذه التفضيلات فيما يتعلق بشروط الهجرة ومنح الجنسية للوافدين إليها.
القيام بمنح الجنسية للوافدين العرب أو بعض الأجانب ذوي المشتركات الثقافية مع المجتمع الإماراتي وفق شروط معينة يتم اختيارها بعناية فائقة، تتصدرها اعتبارات الأمن القومي الاماراتي، والتحصيل العلمي العالي بحيث يمكن أن يشكلوا قيمة مضافة في القدرات العلمية والمعرفية للمجتمع المحلي، وسجل حافل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وغيرها.
وإذا كان هنالك تحفظ في الوقت الراهن فيما يتعلق بمنح الجنسية فيمكن أن يصار إلى منح اقامات دائمة لهؤلاء، حيث أن من شأن هذه التدابير أن تحدث نقلات نوعية في جلب العقول والمهارات التي يتطلبها الاقتصاد الوطني بدلاً من العمالة غير المهارة التي تحتل جانباً كبيراً من الهيكل النوعي للعمالة الوافدة، إضافة إلى المحافظة على الهوية العربية والاسلامية، ناهيك عن تكريس الاستقرار الاجتماعي والنفسي للوافدين الذين سيشملهم هذا التوجه، والحفاظ على المكاسب الاقتصادية للدولة من خلال إعادة استثمار العوائد التي يحصل عليها هؤلاء الوافدون، ذلك لأنه بهذه الطريقة فقط من المتوقع أن يتحول جزء مهم من ولاء هؤلاء من بلدانهم الأصلية إلى وطنهم الجديد (الإمارات) سيما وقد احتضنهم طوال تلك السنين الماضية.
* باحث وكاتب اقتصادي