الشارقة: عثمان حسن

وصفت بأنها من أمتع السير الأدبية الشعبية، التي خلفها التراث العربي؛ لما فيها من رقي في السرد الذي يقترب من النفس الملحمي، وما فيها من طول في المتن الحكائي، سيما وأن موضوعها يتعلق بامرأة شغلت زمانها، بما لم تعهده طبائع النساء وانشغالاتهن، هي سيرة ذات الهمة «البطلة» التي تنتصر على الظلم، وهو ظلم شخصي أولاً، لحق والدها من عمها، وأبناء عمومتها، وهو ثانياً، بطولة من نوع خاص، لامرأة تجهز الجيوش، وتقود الجند وتنتصر في المعارك، وتفتح البلدان «مالطة» أولاً، ومن ثم «القسطنطينية» فيخلد اسمها في التاريخ.. امرأة استثنائية قائدة، ورافضة للظلم، في يدها سيف مشهر يلهم القادة والفاتحين، ويصير مثلاً يضرب في الشهامة والبسالة والقوة، وعدم الخضوع أو الاستسلام.
تفاصيل الحكاية كما تسردها السيرة الشعبية، تعود إلى زمن الخلافة الأموية، منذ ما قبل ولادة ذات الهمة، واسمها فاطمة بنت مظلوم الصحصاح بن الحارث الكلابي، ترعرعت في أحضان قبيلة شامية فلسطينية، وتبدأ أحداثها في قبيلة شهيرة هي قبيلة كلاب، حيث الصراع على السلطة، في كنف الدولة الأموية الناشئة القوية، حيث وقعت فتنة بين قبيلتي كلاب وسليم، فيقتل سليم الحارث زعيم كلاب، ويفكر في أخذ زوجة الحارث وضمها إليه، وهي حامل، إذلالاً للقبيلة كلها، مما يضطر الأميرة إلى الهرب ومن ثم تلد طفلاً، تطوق عنقه بتميمة كتبت عليها نسبه، وتٌقتل الأميرة، وتبدأ فصول السيرة بالصعود مع حكاية هذا الطفل الذي يمر به أمير في رحلة صيد، يقرأ التميمة ويعرف أن الطفل هو ابن الحارث زعيم كلاب المقتول، ويربي الأمير الطفل حتى يكبر ويصير فارساً، ويسميه جندبة ويعرف الفتى حقيقة نسبه، ويتزوج أميرة من القبيلة ويمضي لينتقم لدم أبيه، لكنه يواجه عصابة لصوص فيقتل، وتبقى زوجته وابنه (الصحصاح) منها ليتابع مسيرة أبيه. وهذا الصحصاح سيكون جد ذات الهمة، بنت مظلوم، الذي تُتابع السيرة صراعه مع أخيه ظالم، والحكاية تظل تتابع سرد السيرة، انتهاء بتوظيف الصراع لكي يدور بين شقيقين هما (ظالم ومظلوم)، كي يناصر الوجدان مظلوم، ويتعاطف مع سيرة ذات الهمة السامعون.
خلدت سيرة هذه البطلة، باللغة الفصيحة، حيث تعلمت ذات الهمة الفروسية في قبيلتها «بنو كلاب»، سيما وأنهم كانوا على تخوم البزنطينيين، وصارت هذه البطلة تقود قومها في معاركهم ضدهم.
و تواصل ذات الهمة تسجيل انتصاراتها، حتى ما بعد سقوط دولة بني أمية، في عهد العباسيين مع ابنها عبد الوهاب، مروراً بأحدث كبرى في التاريخ الإسلامي ك«فتح عمورية»، وقد تم تداول هذه السيرة على ألسنة الرواة الشعبيين، من خلال مجلدات بآلاف الصفحات في بلاد الشام والعراق، كما يسرد زمن الحكاية الطويل في نحو قرنين من الزمان، وهذا شأن كثير من الملاحم المعروفة للقراء.
من حيث الموضوع تبرز أهمية سيرة ذات الهمة بوصفها تعبيراً عن ريادة نسوية إن جاز المصطلح لمفهوم البطولة، من عمق تاريخنا العربي، وهي وإن كانت محملة بكثير من الخيال في طريقة عرض الملحمة، إلا أنها نجحت في إبراز نموذج البطولة في الحكاية شعبية، بوصف البطل هنا، يمثل رمزاً للجماعة أو القبيلة، يصون شرفها، ويحميها من بطش وتغول الآخرين، هذه المخيلة الشعبية الجماعية قدمت ذات الهمة، باعتبارها صمام أمان الدولة العربية والأمة العربية الإسلامية، وحاملة مشروعها ضد الضعف والانكسار والتخاذل، في وجه من يتربص بها من الأعداء، ومن يحاول التطاول على حدودها أو يمس كرامتها، وهي صورة لعبت دوراً أساسياً في الأدب الشعبي، حيث يمكن مقارنة سيرة ذات الهمة، في مقابل تلك الملاحم والسير التي خلدتها ذاكرة الشعوب كالإلياذة والأوديسة وغيرهما.
لم يعثر الموثقون العرب ولا غيرهم على مؤلف لهذه السيرة، وأفضل من قدم عرضاً مستوفياً لشروط (الحكاية - القصة - البطولة)، هو ما جمعه شوقي عبد الحكيم عام 1996.
تنتسب السيرة من حيث التصنيف الأدبي إلى قريناتها من السير الشعبية مثل: سيرة أبي زيد الهلالي، والزير سالم، وعنترة بن شداد، غير أن ذات الهمة تميزت بوصفها الأكبر، ولكونها السيرة الوحيدة التي تعرض لنموذج (البطل - المرأة) في زمن، كانت فيه البطولة مقتصرة على الرجال، ومن جهة أخرى، فقد تميزت «ذات الهمة» بوصفها عملاً أدبياً، يحقق خصائص السرد، من حيث بناء الموضوعات والشخصيات وترتيب الحوادث، وبما فيها من مقومات فنية، عالجت أو تعاملت مع المعتقدات الشعبية، هذه المعتقدات التي تبدأ ب«حلم» لما لهذا الحلم من أهمية في المخيال الشعبي، وضرورة تحقق الحلم، كأنه قوة سحرية ملهمة تنبئ عن المستقبل، أو تعبير عن الحقيقة الخافية التي لا بد من كشفها، في صورة توازي معتقدات وهواجس الشعب وأحلامه وتطلعاته.
تم تجسيد هذه السيرة في أكثر من عمل درامي، وقد حاول الكثير من المسرحيين والكتاب محاكاتها في أعمالهم، وتم تخليدها كرمز لأشهر امرأة في الوجدان الشعبي العربي، هذه المرأة التي يحكى أنها فلسطينية الأصل، نشأت في ثغور الخلافة، لذلك كانت تعمل على التحذير من أطماع الأعداء المشرفين على أرضها من جهة البحر، خاصة في زمن الخليفة هارون الرشيد.