الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
حوار وقضية

الهنوف محمد: ترجمة الذكاء الاصطناعي تضعف الروح الإبداعية

27 مايو 2026 20:26 مساء | آخر تحديث: 27 مايو 20:36 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الهنوف محمد: ترجمة الذكاء الاصطناعي تضعف الروح الإبداعية
icon الخلاصة icon
الهنوف محمد: الترجمة الآلية تضعف إبداع الأدب وعمقه النفسي والثقافي؛ ودور المترجم البشري أساسي مع تدقيق بشري للآلة
أصبحت الترجمة من ضمن المجالات المهنية التي وقعت تحت قبضة الذكاء الاصطناعي، إذ باتت الترجمات الآلية تلقى رواجاً كبيراً، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً، خاصة في ما يتعلق بالشأن الأدبي والثقافي؛ نظراً لخصوصية النصوص الإبداعية لكونها تعبّر عن تجربة شعورية، وبالتالي، تحتاج إلى اللمسة البشرية في عملية النقل من لغة إلى أخرى. وبينما يرى البعض أن دور المترجم البشري في طريقه للتراجع، يرى آخرون أنه سيبقى، فأي الوجهتين ستنتصر؟
تُعدّ الشاعرة والمترجمة المتخصصة الإماراتية الهنوف محمد، واحدة من المهتمات بهذا الأمر وبالعملية الإبداعية ككل؛ وهي في هذه المساحة تقدم مرافعة حول الترجمة بين النقل البشري ومحاولات الآلة ممثلة في الذكاء الاصطناعي، في الولوج إلى هذا الحقل الحساس. إذ تؤكد الهنوف أن البشرية، في ظل التقدم التكنولوجي الكبير، أصبحت تعيش زمناً رقمياً طال جميع المجالات الحيوية في العصر الراهن، وللترجمة سهم لا يستهان به في هذا التحول الرقمي الهائل، وخاصة «الترجمة الرقمية» للأعمال الأدبية والإبداعية. إن الانتقال إلى الترجمة الرقمية، في هذا السياق يمثل نقطة تحول جوهرية تعيد تشكيل المشهد الثقافي العالمي؛ إذ لا يقتصر هذا التحول على السرعة فحسب، بل يغير طريقة انتشار الأدب وتفاعله مع الجمهور.
وحول ما يسود من اعتماد مفرط على الترجمة الآلية والرقمية، ترى الهنوف أن هذا التوجه من شأنه أن يضعف البصمة الإبداعية، والروح الأدبية، والعمق السيكولوجي للشخصيات؛ لأن تلك الأدوات لا تستطيع الولوج إلى نفسية الشخصيات، وتحليلها، وفهمها، ما يؤثر سلباً في العمق الإبداعي للنص؛ نظراً لافتقار الروبوت والأدوات الرقمية إلى العواطف البشرية والخلفيات الثقافية المعقدة. فالترجمة الأدبية ليست مجرّد نقل كلمات، بل هي إعادة صياغة للمشاعر، والمجازات، والإيقاع الموسيقي الذي يمنح النص هوية الكاتب الأصيل. ومن ثم، فإن هذا النوع من الترجمات الرقمية يعمل على تسطيح اللاشعور والمونولوج الداخلي؛ فعندما تفكر الشخصية الأدبية بصوت غير مسموع، تستخدم لغة مشحونة بالرموز والتناقضات النفسية، بينما يتعامل الذكاء الاصطناعي مع هذه النصوص بسطحية لغوية تفقدها مغزاها النفسي.
وتواصل الهنوف شرح هذه الفكرة بالإشارة إلى أن الترجمة الآلية تعجز عن نقل النبرة العاطفية في النص الروائي أو الشعري؛ فبينما نجد أن الشخصيات تتحدث بنبرات ومستويات صوتية متباينة حسب الخلفية الشعورية، فإن الآلة توحّد هذه الأصوات وتجعل جميع الشخصيات تتحدث بأسلوب (آلي)، واحد ومسطّح. كما أن الآلة لا تستطيع أن تلتقط بعض العلامات والمشاعر البشرية، مثل التهكم والمواربة؛ فالترجمة الرقمية تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري، ما يشوه دوافع الشخصية الحقيقية أمام القارئ. وكذلك يُغفَل السياق التطوري للشخصية؛ فالمترجم البشري يدرك كيف تتطور سيكولوجية الشخصية من الفصل الأول إلى الأخير، فيختار كلمات تتناسب مع هذا النمو النفسي، بينما يترجم الذكاء الاصطناعي الجمل كقطع منفصلة معزولة عن هذا السياق الممتد.
وتعود الهنوف لشرح النقطة المتعلقة بالعمق السيكولوجي للشخصيات الروائية والقصصية، والذي تُغيّبه الآلة التي تترجم الكلمات كبيانات إحصائية لا كأبعاد نفسية؛ فبناء الشخصية الأدبية يعتمد على الوعي البشري، والتقلبات العاطفية، والصدمات النفسية التي تشكل أسلوب حديثها، وهو ما تعجز الخوارزميات عن سبر أغواره.
وعن وجود أجيال جديدة من المترجمين الذين ينشطون في نقل النصوص من لغة إلى أخرى عبر الآلة من دون أن يكونوا من المتخصصين، تؤكد الهنوف أن هؤلاء يستسهلون فعل الترجمة الأدبية؛ إما لضيق الوقت، أو لأنهم لا يدركون أن المترجم الأدبي هو الكاتب الموازي للنص، وهو من يعيد خلق النصوص الأدبية بدقة توازي الكتابة الأصلية المنقول عنها. ولذلك الأمر أثر سلبي في جودة الفعل الإبداعي والثقافي، وفقدان مصداقية الترجمة، خاصة في ظل وجود أي سوء فهم ثقافي ناتج عن الترجمة الرقمية؛ فالدلالات الثقافية تختلف أحياناً في اللغة الواحدة، فما بالك بلغتين مختلفتين في المفاهيم الفكرية والثقافية؟ 
وتلفت الهنوف إلى أن خطورة الترجمات الرقمية تكمن في كونها نقلاً حرفياً، وهذا النوع قد يصلح في مجالات كثيرة، لكنه لا يجدي في الترجمة الإبداعية التي تعتمد، كلياً، على السياق الثقافي والضمني للمعنى؛ وبالتالي، فإن هذا الأمر يتطلب تدخلاً بشرياً، وإلا فإن النص سيفقد جودته ومعناه. فمن الصعب تجاوز دور المترجم البشري في عملية النقل في المجال الإبداعي، وفي حال تمّت الترجمة الآلية أو الرقمية، فلا بد من التدقيق البشري لتفادي مشكلات الجودة الترجمية. وذلك يؤكد أن دور المترجم البشري لن يتراجع، بل سيظل مستمراً في عملية التدقيق اللغوي، وفهم السياق، النفسي والثقافي والدلالي، للنص المترجم؛ فالآلة تكون في حالة الترجمة الإبداعية مساعدة للإنسان.
*دور النشر
وحول تورط بعض دور النشر حول العالم في الاستعانة بشكل كامل بالترجمة الرقمية، ترى الهنوف أن ذلك الأمر يشير إلى أن تلك الدور لا تقدّر قيمة الترجمة البشرية، فهي تبحث عن تقليل النفقات من أجل الربح، لكنها في ذات الوقت تسهم في خلق هوة ثقافية جديدة، قد تؤثر في فكر الأجيال القادمة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة