كان الكاتب الكبير سعد الدين وهبة يتردد على سيدة الغناء العربي أم كلثوم، يكتب قصة حياتها، تمهيداً لكتابة فيلم يخرجه يوسف شاهين، وتنتجه مؤسسة السينما التابعة لوزارة الثقافة، وقابله موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وسأله: متى تكتب قصة حياتي؟ فأجاب: بعد أن أنتهي من كتابة قصة حياة أم كلثوم، وبعد أن انتهى سعد الدين وهبة من المعالجة السينمائية، وهي المرحلة السابقة على إعداد السيناريو والحوار، توقفت هيئة السينما عن الإنتاج وتوقف مشروع فيلم أم كلثوم، وبالتالي توقف مشروع فيلم محمد عبدالوهاب.
وفي نهاية السبعينيات اتصل عبد الوهاب بالكاتب الكبير، وطلب منه أن يزوره في منزله، ولأول مرة وبشكل جاد، طلب منه أن يكتب قصة حياته في مسلسل تلفزيوني، وكان التلفزيون قد تطور وزاد انتشاره، وأصبح أوسع الأنشطة الثقافية جماهيرية، وتحدث عبد الوهاب وسعد الدين وهبة كثيراً، واتفقا على موعد آخر، إلا أن عبد الوهاب لسبب ما، صرف نظره عن الفكرة بعد حماسته الشديدة لها.
وحدث أن عرضت إحدى شركات الإنتاج التلفزيوني العربية على موسيقار الأجيال مبلغاً كبيراً، كي تقدم حياته في مسلسل من سبع حلقات، وفي يوليو 1985 علم أحد أصدقاء وهبة أن منتجاً مصرياً اتفق مع عبدالوهاب على إنتاج قصة حياته في أربع حلقات، على ألا تزيد الحلقة على ساعتين، واتفقوا على كل التفاصيل، غير أنه في اللحظات الأخيرة تراجع المنتج، واقترح الصديق على سعد الدين وهبة أن يقوم بعملية الإنتاج بنفس الشروط التي وافق عليها عبدالوهاب.
كل هذه التفاصيل وغيرها، جاء بها «الأمير أباظة»، أثناء تفريغه حلقات حملت عنوان «النهر الخالد»، وهي عبارة عن حوارات ممتدة بين سعد الدين وهبة ومحمد عبد الوهاب، ف «النهر الخالد» ليس فقط قصة حياة الموسيقار محمد عبدالوهاب، كما رواها في حلقات للكاتب سعد الدين وهبة، التي ارتبط بها مشاهدو التلفزيون في العالم العربي، عند عرضها لأول مرة يتجاوز عبدالوهاب الحديث عن نفسه إلى مجتمعه، متوقفاً أمام أحداث مهمة، كانت منعطفاً في التاريخ، يخرج من حدود مصر ليجول في أرجاء الوطن العربي، عواصمه وشخصياته، موسيقاه وإيقاعاته، لو كان «النهر الخالد» مجرد سرد موسيقار الأجيال لسيرته الذاتية لكان كتاباً مهماً، لكنه يتخطى ذلك كله، ما يجعله موسوعة فنية ثقافية اجتماعية تاريخية، يرويها أحد أعلام مصر الحديثة لكاتب كبير، كان شريكاً في تلك الحياة على مدار نصف قرن.