عادي

حنين بن إسحق.. كبير مترجمي بيت الحكمة

04:26 صباحا
قراءة 3 دقائق
القاهرة: «الخليج»

يقول سارتون في كتابه «مدخل إلى تاريخ العلوم»: «إن بعض المؤرخين قد حاولوا أن يغضوا من قدر العرب وإنتاجهم في عالم الفكر، حينما ادعوا أن ما جاء به العرب لم يكن فيه شيء مبتكر، لأن العرب لم يكونوا إلا مقلدين. إن مثل هذا الحكم خطأ، فليس هناك ابتكار أعظم من ذلك التعطش الذي ملك على قادة الفكر العرب حواسهم في سبيل المعرفة، ولا يمكن أن يكون هناك ابتكار مخلوق من العدم».
تلك كانت شهادة أحد أقطاب الغرب، وفي هذا الكتاب تأكيد على تلك المقولة حيث يبحث نسيم مجلي عن هذا التعطش الشديد إلى المعرفة، الذي دفع «حنين بن إسحق» للبحث والتنقيب في دروب اللغات والعلوم، وتحدي كل الصعاب والمعوقات حتى صار هذا العالم الفذ الذي يشهد بعظمته وأصالته كبار العلماء والمؤرخين في الشرق والغرب.
يعتبر كتاب «حنين بن إسحق وعصر الترجمة العربية» لمؤلفه نسيم مجلي، والصادر عن المركز القومي للترجمة، محاولة شخصية لفهم دور العبقرية الفردية في حوارها مع روح العصر العباسي الذي برزت فيه، وأتاح لها فرصة النمو والازدهار، ولذا جاءت هذه السيرة بصورة دقيقة وموثقة، لتبرز دور حنين بن إسحق في حركة الترجمة، ليس فقط كمترجم لنحو 100 كتاب من اليونانية إلى السريانية، و37 كتاباً إلى العربية، وليس فقط كفقيه لغوي ومؤلف لعدد من كتب فقه اللغة العربية ونحوها، وإنما كرسول ثقافي وحضاري قام بأسفار عدة للحصول على الكتب والمخطوطات، وأقام علاقات مع الروم والبيزنطيين من أجل هذه الغاية، وقد أتاحت هذه الأمور فرصة للكيد والدس له عند بعض الخلفاء، ما عرضه لأشد المحن التي تغلب عليها.
يرى مجلي أن حركة الترجمة قد جسدت هذا وأكدته، وكانت شخصية حنين بن إسحق وأعماله شاهدها الأكبر، فقد كان طبيباً لخمسة خلفاء من العباسيين، وموضع ثقتهم ورعايتهم، وقد عينه المأمون كبيراً للمترجمين في بيت الحكمة، حيث جمع حوله عدداً من التلاميذ النجباء، وجعل منهم مدرسة للبحث العلمي، وترجمة العلوم الطبية والفلسفة، وقد أرست هذه المدرسة أصول المصطلحات العلمية في لغتنا العربية، وهي قضية لا تزال تشغلنا حتى الآن وتحتاج منا إلى اهتمام جاد.
بدأت مكانة حنين تظهر في تاريخ العلوم عند العرب بظهور دراسات غربية عدة عنه، ولعل أبرز الكتب التي صدرت عنه كتاب «العشر مقالات في العين» الذي حققه المستشرق ماكس مايرهوف وأهداه إلى كلية الطب في الجامعة المصرية سنة 1927 بمناسبة مرور مئة عام على إنشائها، وتناول فيه دراسة تاريخ علوم الطب عند العرب، خاصة طب العيون، وبتعبير الأب جورج قنواتي: «هو أهم فروع الطب الذي تخصص فيه العرب ووصلوا إلى نتائج مدهشة».
وبعد نصف قرن تقريباً، عقدت في مؤتمر المستشرقين بباريس في يوليو 1973 حلقة خاصة عن «حنين بن إسحق»، عولجت فيها جوانب من نشاطه وآثاره، وتحدث أحد المستشرقين قائلاً: «لقد اجتمعنا لنحتفل بالتذكار المئوي الحادي عشر لوفاة الطبيب العراقي المشهور «حنين بن إسحق» الذي يعد من أكبر العقول، ومن أنبل الطباع التي يعثر عليها في التاريخ، فيجب علينا أن نتساءل عن الأسباب التي دفعتنا نحن في القرن العشرين إلى الاحتفاء بذكرى علامة عاش في القرن التاسع الميلادي». ثم يجيب هذا المستشرق بأن السبب هو: «رغبتنا في أن نمجد هذا الطبيب العبقري الذي لعب بنشاطه العلمي الواسع دوراً رئيسياً في حركة التبادلات الثقافية التي حدثت في بغداد في القرن التاسع، وهيأت ازدهار الحضارة العربية في القرن التالي».
كان حنين بن إسحق يمثل حالة مدهشة، ظهرت في عدة ميادين هي ميدان التقاء الثقافات المختلفة، حيث نراه كمثال في هذا المجال، إذ التقت في شخصية ثلاث ثقافات، هي العربية، والسريانية، واليونانية، وقد اختلطت تلك الثقافات الثلاث في شخصية حنين، وأنتج هذا الاختلاط ثقافة جديدة شديدة الثراء، لها صيغة متميزة.
وهنا ميدان آخر وهو تعدد المعارف، فالمعرفة اليوم غير منقسمة، والمحاولات تجري لإزالة الحدود المصطنعة بين العلوم، أما حنين فله السابقة في هذا المجال، إذ إنه اهتم بجميع فنون المعرفة البشرية في زمانه، فاهتم بجميع فروع الطب، خصوصاً طب العيون، وعلم الأغذية وعلم الأدوية، وكذلك بالطبيعيات والرياضيات إلى جانب الفلك والفلسفة والتاريخ والنحو واللغة.
و لعب حنين بن إسحق دوراً كبيراً بترجماته من اليونانية إلى السريانية، أو إلى العربية، وكما قال ابن خلكان: «ولولا ذلك التعريب لما انتفع أحد بهذه الكتب لعدم المعرفة بلسان اليونان».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"