كان «ألفريد دي موسيه» (11 ديسمبر/كانون الأول 1810 - 2 مايو/أيار 1857) معتداً بنفسه وموهبته، كتب إلى صديقه وزميله في الدراسة «بول فوشيه»: «أريد أن أكون شيللر أو شكسبير أو لا أكون شيئاً على الإطلاق»، لكنه كان مريض النفس، ضائقاً بالحياة، فريسة للسأم، كتب في إحدى قصائده وهو في التاسعة عشرة من عمره: «هل تعرفين كم من دموع ذرفتها لأحيا فحسب، وكم يلتهم هذا الملل من قلبي، عندما يفيق من سكرته».
حتى عام 1832 كان «ألفريد دي موسيه» يعيش بمساعدة أهله، فقد نشر آنذاك ترجمة لرواية توماس دي كوينسي «الإنجليزي آكل الأفيون»، وديوانه الشعري «حكايات إسبانيا وإيطاليا»، ومسرحيتي «صك الشيطان» و«ليلة البندقية»، إضافة إلى كتب أخرى، وفي يونيو/حزيران عام 1833 بدأت علاقته بالكاتبة الروائية «أورور دوبان»، التي عرفت باسم جورج صاند (1803- 1876) كانت «جورج صاند» ترتاد المحافل في أزياء غريبة، فلما جمعت المائدة بينها وبين ألفريد دي موسيه في مقر إحدى المجلات، وهي ترتدي صداراً مطرزاً بخيوط الذهب، وتحمل في خاصرتها خنجرا، لم يجدها إلا امرأة سيئة الذوق، ولم تره إلا فتى مسرفا في التأنق، لكنه لم يلبث أن خطب ودها، فأهدته كيسا جميلا للنقود، ثم أصبحا حبيبين، وقاما برحلة إلى إيطاليا، وهناك أصيب باضطراب نفسي، فكان يهذي، ويرى شبحه سائرا بجانبه في حلة سوداء، ثم مرض بالتيفوئيد، فتفانت في خدمته إلى أن عاده الطبيب الإيطالي، ثم نشبت بينهما المعارك، وتكررت المشاهد العاصفة بينها وبين الشاعر المريض الذي لم يجد بداً من العودة إلى باريس.
خلفت هذه العلاقة جرحا عميقا في قلب الشاعر، لكنها جعلته أكثر رصانة، فكتب لياليه الأربع، ورسالته إلى لامارتين، وكانت جورج صاند هي التي أوحت إليه بمسرحيته الشهيرة «لورنزا تشو»، التي ترجمها إلى العربية ميخائيل بشاي، وفي الفترة الواقعة بين عامي 1837 و1839 كتب عددا من القصص والقصائد، ثم ساءت حالته المادية، واضطر إلى الاشتغال أمينا للمكتبة في وزارة الداخلية، وما أن حل عام 1843 حتى هرم الشاب الجميل، وانتابه المرض، واعتراه الشحوب، وكتب: «لقد فقدت قوتي وحياتي وأصحابي وبهجة أيامي، لقد فقدت حتى تلك الكبرياء التي كانت تجعلني أؤمن بعبقريتي». وعبثاً كان دي موسيه يرتاد المسارح، ويشرب ويلعب الشطرنج في المقاهي والبارات، حتى عزل من وظيفته، وتعرض للسجن، لتهربه من الخدمة الوطنية، لكن مكانته الأدبية كانت أقوى من تلك الظروف فمنح وساماً، وانتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية، بعد أن فشل في دخولها مرتين، ثم عين أمينا لمكتبة وزارة التعليم العالي في مارس/آذار 1853، وحين مات بين يدي أخيه، لم يشيعه إلا ثلاثون رجلا من أصدقائه إلى المقابر، وفي 23 مارس عام 1858 نقل رفاته إلى مقبرة أخرى، غرست فوقها صفصافة «باكية»، كما أوصى في إحدى قصائده التي نقشت على الشاهدة: «أصدقائي الأعزاء، عندما أموت اغرسوا في المقبرة شجرة صفصاف أنا أحب أوراقها الكئيبة فشحوبها لطيف، وعزيز على نفسي وظلها سيكون خفيفا على التربة التي فيها سأنام!».
عندما قدم بول فوشيه صاحبه دي موسيه إلى فيكتور هوجو وأنصاره رأوا فيه خامة طيبة لرومانسي مثالي، فتى في الثامنة عشرة من عمره جميلا، أنيقا، ذكيا متحررا، تبشر قصائده الأولى بميلاد شاعر رومانسي كبير، وقد حقق آمالهم فتوالت قصائده ومقالاته النقدية التي حقق فيها مفهومه لهذه الحركة الجديدة التي أرادوا أن يحتلوا بها مواقع الكلاسيكيين.
لكن موسيه سرعان ما أصبح بمثابة الولد المزعج عند أقطاب المذهب الجديد، فكان رومانسياً يجنح إلى الكلاسيكية، وكان بفطرته شاعرا مسرحيا، وعندما منيت مسرحيته «ليلة البندقية» بالفشل حين عرضت عام 1830، غضب موسيه، وأقسم ألا يكتب للمسرح بعد ذلك، وكانت مسرحياته التالية للقراءة لا للتمثيل، واستمرت الجفوة بينه وبين خشبة المسرح الفرنسي 17 سنة حتى مثلت له مسرحية «نزوة» فتنبه الجمهور والنقاد إلى مسرحياته، فعاد يكتب للمسرح.
أخذ موسيه من راسين تغلغله في أعماق القلب البشري ومن شكسبير اتساع آفاقه ومشاهده، ومن بوكاشيو سخريته الرقيقة، ولم تكن ملاهيه دامية، لكنها لم تكن تخلو من لذعة الألم، ووجه إليه النقاد كثرة «اقتباساته» وقد رد على ذلك، فميز بين الاستلهام والسرقة، وقال: «إن الفنان الحقيقي هو الفنان المتواضع، الذي لا يجد مانعاً من البحث عن كنوزه في أقل الآثار الفنية شأنا».
دي موسيه.. شاعر أزعج أقطاب الحركة الرومانسية
31 مارس 2018 03:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 مارس 03:27 2018
شارك
القاهرة: «الخليج»