القاهرة: «الخليج»
تميز النقد الفرنسي بجعل الكتابة الأدبية بؤرة أساسية في التحليلات، وكذلك في إعادة تحديد المصطلحات، بما في ذلك موضوعات الأدب والأجناس الأدبية، وإذا كان الاهتمام بالكتابة قديماً نسبياً، واتخذ طابع الهوس الطاغي لدى بعض الشعراء والروائيين، فإن السعي إلى تنظير الكتابة، باعتبارها جوهر الأدب، استأثر بجهود بعض النقاد الفرنسيين المعاصرين، خاصة في محاولات ثلاث لكل من موريس بالانشو وجان بول سارتر ورولان بارت.
في ترجمته لكتاب «رولان بارت» الصادرة عن دار العين للنشر، بعنوان «الدرجة الصفر للكتابة» يشير د. محمد برادة إلى التماس الضمني للمحاولات الثلاث، التي يمكن اعتبار كتاب «بارت» بمثابة تركيب لها، يفضي إلى أفق جديد في أبحاث مسألة الكتاب، فقد اهتم بالانشو منذ بداية الأربعينيات بتحليل الكتابة الأدبية وإبراز استحالتها، وذلك انطلاقاً من ملاحظات الشاعر
«مالارميه» عن اللغة الشعرية وعن علاقاتها بالوجود والعدم.
ومن خلال تحليله لأبرز الشعراء انتهى بالانشو إلى أن المجال الأدبي هو مجال الموت ذاته: «إنه النفي الأمثل والقتل المؤجل الذي هو اللغة» الكتابة عنده- تحليلاً وإبداعاً- لا تستطيع الابتعاد عن التكرار السرمدي للحياة داخل الموت ومن ثم سيكون جوابه عن سؤال: إلى أين يتجه الأدب؟ هو: «الأدب يسير نحو نفسه، نحو جوهره الذي هو الزوال».
في خط متناقض لذلك كتب سارتر سنة 1947 مقالاته بعنوان «ما الأدب؟» وفيها قدم تحليلاً تاريخياً أيديولوجياً لاتجاهات الأدب الفرنسي منذ مطلع القرن العشرين، ما يهم سارتر، بالدرجة الأولى، هو أن يلتزم الكاتب باعتباره حرية مسؤولة تخاطب حرية قراء مسؤولين بالقضايا الجوهرية التي يطرحها الصراع التاريخي الراهن في شروط ملموسة، من ثم يصب نقده الساخر على الكونية المثالية، وعلى الحركة السيريالية المتخبطة بين الكتابة الآلية والثورة الدائمة.
ما فعله بارت - كما يقول برادة - هو زحزحة إشكالية الكتابة داخل إطار تركيبي يستمد من بالانشو ومن سارتر وماركس، وينسج خيوطاً جدلية قائمة على التعدد والتنوع فإذا كان بالانشو قد انتهى إلى سلبية مطلقة ملازمة لجوهر الكتابة، وسارتر إلى البحث عن الشروط التي تتيح الممارسة الموضوعية للكتابة داخل التاريخ، فإن رولان بارت أقام مشروعه على تحليل الكتابة من الداخل في تماسها وتشابكها مع التاريخ، اعتباراً من أن الكتابة منحدرة من «ذات» متميزة عن الذات السيكولوجية أو الفردية، لأن الكتابة تجعلها ذاتاً تاريخياً فيها تتأكد صيرورتها، إلا أن هذه الذات التي تكشف عنها الكتابة هي ذات أخرى، لأنها لا يمكن أن تتموضع في التحليل الأخير، ضمن إشكالية التواصل مع الآخرين عبر اللغة، لأن بارت، في تمييزه الكلام عن الكتابة، حدد هذه الأخيرة على النحو التالي: «أما الكتابة بعكس ذلك، فهي متجذرة دائماً في ما وراء لغة، إنها تنمو مثل بذرة، وليس مثل خط، إنها تبدو جوهراً، وتهدد بإفشاء سر، إنها تواصل مضاد، الكتابة تخيف».
تغدو الكتابة عند بارت - كما يشير الدكتور برادة- ملتقى للغة وللأيديولوجيا، للذات وللتاريخ الموضوعي، وهذا مجال تحليل مفتقد في الكتابات التواصلية الأخرى، إن هذا هو ما يتيح استخلاص الجدلية، الكامنة وراء المعرفة الأدبية، إذا ما اعتبرنا أن الكتابة تجمع بين الصدفة والضرورة، بين الذات والتاريخ، هذا هو الإطار العام الذي طرح فيه بارت إشكالية الكتابة، اعتباراً من أن الحقل الأدبي قائم الذات، تربطه علائق بحقوق الممارسة الاجتماعية الأخرى، إلا أنه يحتوي على العناصر الكافية لأن يكون مجالاً مستقلاً لرصد سيرورة التاريخ والعلم والأيديولوجية.
الفرضية النظرية الظاهرة التي ينطلق منها «بارت» لتصنيف الكتابات الأدبية يستمدها من علم اللسانيات، وهي أن هناك صيغة بين صيغتين لا تشير إلى حالة المتحدث (هل هو مفرد أم جمع؟) ولا إلى زمن أفعاله (هل تمت في الماضي أم في الحاضر؟) هذه الصيغة المشيرة إلى حالة حياد نجد ما يشبعها عند بعض الكتاب المعاصرين (خاصة ألبير كامو) الذين اتجهوا إلى كتابة بيضاء، هي أشبه ما تكون بالكتابة في الدرجة صفر، من ثم يصبح مبرراً أن نعيش درجات الكتابات الأخرى على ضوء ما تحمله من صيغ وحالات وأشكال.