على تماس من نبض المناضل والشهيد الفلسطيني وقضية الوطن المحتل، الوطن المسلوب بالقوة، وقف الشاعر الراحل سميح القاسم، الذي يلقب بشطر البرتقالة الثاني مع محمود درويش، ليرصد بشعريته الهائلة وجع فلسطين النازف، وهو الذي كان يردد دائما أن قصيدة المقاومة ستستمر. قالها في حفل تأبين درويش في عمان نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، وقالها في أكثر من مناسبة، وهو الذي كان دائما ضد ثقافة الاستسلام، وضد مقولة إن شعر المقاومة انتهى، وإن الزمن الحالي له شعره الجديد.
هذا هو سميح القاسم، في كل ما كتب من قصائد ودواوين، وسطر من كتب نثرية، فقد رحل وهو على قناعة راسخة بأن ما من شاعر حقيقي يكتب عن ذاته، ولا يكتب عن الوطن، وصدقية أي شاعر بالنسبة إليه، إنما كانت تقاس بصدقه مع الملايين من أبناء شعبه، ممن يشاركونه الحلم والهم. حمل القاسم منذ بواكير شعريته، قضيته ومعاناة شعبه الفلسطيني، كما أكد أنه سيبقى في وطنه ويموت على ترابه، ولن يتركه مثلما تركه الآخرون، وظل يردد كما في قصيدته «الانتفاضة»:
تقدموا تقدموا !/ كل سماء فوقكم جهنم/ وكل أرض تحتكم جهنم/ تقدموا/ يموت منا الطفل والشيخ/ ولا يستسلم/ وتسقط الأم على أبنائها القتلى/ ولا تستسلم/ تقدموا/ بناقلات جندكم/ وراجمات حقدكم/ وهددوا/ وشردوا/ ويتموا/ وهدموا/ لن تكسروا أعماقنا/ لن تهزموا أشواقنا/ نحن قضاء مبرم.
منذ أن أطلق عليهم (درويش وزياد والقاسم) بعد هزيمة عام 1967 لقب شعراء المقاومة، بعد أن راجت في حينها قصيدة «سجل أنا عربي» لدرويش، و«هنا باقون» لزياد، اشتهرت قصيدة القاسم «خطاب في سوق البطالة.. يا عدو الشمس» التي يقول فيها:
ربما أفقد ما شئتَ معاشي
ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي
ربما أعمل حجاراً، وعتالاً، وكناس شوارع
ربما أبحث في روث المواشي عن حبوب
ربما أخمد عريانا، وجائع
يا عدو الشمس لكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم
وفي مقطع من ذات القصيدة يقول:
ربما تسلبني آخر شبر من ترابي
ربما تطعم للسجن شبابي
ربما تسطو على ميراث جدي
من أثاث وأوان وخواب
ربما تحرق أشعاري وكتبي
ربما تطعم لحمي للكلاب
ربما تبقى على قريتنا كابوس رعب
يا عدو الشمس لكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم
بهذه الشعرية الصافية التي تتميز بسهولة لغتها ومدلولاتها، بدأ سميح القاسم تجربته، ليصبح علامة في مسيرة النضال من خلال الأدب، ومن خلال القصيدة تحديدا، وهو من دون شك من الأسماء التي جددت في هذا النوع من الخطاب الشعري المعاصر، كما أنه كما قال عنه الشاعر المصري جابر بسيوني في تقديم كتاب (مختارات من شعر سميح القاسم) عن الهيئة المصرية للكتاب، «تمتاز قصيدته أدبيا وإبداعيا بالجمع بين صوت الشاعر الفرد وصوت الجماعة الذي يعكس نبض الناس والشارع الفلسطيني وهواجس الأمة».
ستون عاماً، في مسيرة القاسم الشعرية، ورمزية النضال، وهاجس فلسطين الأرض والحلم والذاكرة والتراب، وملاعب الصبا، والأرض العربية، ذات النكهة المشرقية، التي لا تقبل المساومة ولا التفريط، هي أرض المصري والشامي والخليجي والمغاربي، وهي روح السماوات وموطن المحبة والتسامح والسلام، كلها عناوين برزت في قصائد القاسم، الذي وهب نفسه للقضية، شعرا وقولا وفكرا، هي مشهد حاضر في خاصرة الوطن العربي، ولا خوف عليها أبدا، مع تلك العزيمة التي تربط الفلسطيني بأرضه، سواء كان شيخا طاعنا في السن، أم كان طفلا، أم عجوزا تحمل مفتاح بيتها، وتحدب عليه وترفعه بقوة على مشارف البحر، وسماء البرتقال، وأرض التين والزيتون، وطالما هي شامخة كذلك في أرواح وأفئدة العرب جميعا.
بهذه القوة، وهذه الروح التي طبعت أشعاره، رفع القاسم روح الحرية عاليا، وهي روح ظلت تحافظ على وتيرتها الأعلى في رشاقة القصيدة، وبساطة الفكرة وحلاوة اللغة التي ترفض الخوف وتحارب الحزن والريبة والخنوع.
وإذا كانت سمات القصيدة الوطنية، كما جرى على ألسنة النقاد، لم تغادر منطق المباشرة والتقريرية، كما في كثير من الأشعار التي كتبت في بدايات النكبة الفلسطينية، فإن القاسم امتاز بوهج شعري خاص، نقل قصيدته من فخ المباشرة تلك إلى مستوى القصيدة المجربة، القصيدة الجديدة، التي تنوع في أساليبها وابتكاراتها، وهو بنظر النقاد: نقل القصيدة إلى بناء مركب ووصل بها إلى مستويات جديدة، ما جعل هذه القصيدة غير مرهونة لتيار شعري تقليدي أو حداثي بعينه، وهي تجربة غادرها القاسم ما بعد سبعينيات القرن الفائت، كما سبق وغادرها الراحل محمود درويش، فكانت لكليهما ميزة التجريب والمثاقفة والحوار، وكان لكل منهما خصوصيته، وميل القاسم إلى التجريب تجلى في ملامح عدة، فقد اشتغل على توظيف الرمز التراثي الفلسطيني، لما لهذا الرمز من مكانة في الشعر العربي المعاصر، كما اشتغل على توظيف موتيفات حوارية، ولعب على المتناقضات، التي تبرز حال استخدامه عنصر المفارقة والحجة في مواجهة خصمين لدودين، الأول هو صاحب الأرض، والثاني هو الغاصب المحتل، وقد قاده هذا إلى استخدام عنصر السخرية والتهكم في أشعاره، وهي السخرية من المحتل، بكل تأكيد، وكان القاسم على الدوام حاضراً كقامة شعرية حازت على ثناء وإطراء الكثير من النقاد والمثقفين العرب فهو «هوميروس من الصحراء» كما ينعته سهيل كيوان، و«قيثارة فلسطين» بحسب الباحثة د. رقية زيدان، و«الشاعر العملاق» كما يراهُ الناقد اللبناني محمد دكروب، وهو بحسب آخرين المتفوّق في قوة مخيلته و«مغني الربابة وشاعر الشمس» وغيرها من المسميات.
لقد برع سميح القاسم بحسب دراسة مطولة في شعريته للناقد الدكتور رياض كامل في توظيف الكثير من التناصات والإحالات الثقافية والفلسفية من المنجز التراثي العربي والإنساني، كما تداخلت كثير من نصوصه مع عمق الرؤية واتساع الدلالة، وكان بحق شاعرا ثوريا وإنسانيا، حيث يقول: «كان شعره مرآة لقضيتين هامتين في الشكل وفي المضمون، وهو يتوازى في مسيرته مع تطور الشعر العربي في أشكاله وأنساقه، وفي كونه مرآة للقضايا الفكرية الكبرى منذ أكثر من نصف قرن من الزمن على الصعيدين المحلي والعربي والعالمي».
في رثائه لمحمود درويش يقول القاسم في نص انفتح على فضاءات غير ملموسة وغير محسوسة ورؤية لا تخفى على القارئ الحصيف يقول:
يبتعد. وتقترب المرآة
يقترب. وتبتعد المرآة
تتبعه الآن خطاي
ويراني.. وأراه..
لكن المرئي سواي
وسواه
لا حيلة للرائي. لا حيلة للمرئي. ولا حيلة للمرآة
لا حول ولا قوة إلا بالله.
توزّعت أعمال سميح القاسم ما بين الشعر والنثر والمسرحية والرواية والبحث والترجمة، وقد صدر له في هذه الموضوعات، كما كتب عنه من قبل آخرين، أكثر من نحو 100 مؤلف، وكان عن جدارة من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها في مسيرة النضال بالقلم، وبالقصيدة، وبالإحساس المتدفق، المؤمن بعدالة قضيته وعدالة الإنسان.