الشارقة: محمدو لحبيب
السعادة كلمة لا يختلف اثنان في العالم كله، على أنها ذات دلالة مرتبطة براحة الإنسان، وأمنه، وطمأنينته، لذلك ومنذ العصور الأولى للإنسان على هذا الكوكب، كان البحث عن السعادة شغله الشاغل، وكأنها ضرورة فطرية جُبل عليها.
اليوم وفي عصرنا الحالي الذي تتعدد فيه الأزمات الشخصية والمجتمعية، وتكثر فيه مصادر القلق، وتداعياته، وتنتشر فيه الحروب، ومسببات الرعب والألم، يغدو الحديث عن توفير السعادة للمجتمع، والعمل المؤسسي عليها، إنجازاً كبيراً ينتمي بجدارة، لفكرة عصر يمكن أن يسمى «عصر الإنسان والإنسانية»، لقد اهتمت دولة الإمارات، بإسعاد شعبها، والوافدين إليها، انطلاقاً من وعيها الكامل بفكرة مركزية السعادة وكونها الآن تشكل حاجة ملحة، فطورت فكرة البحث عنها، وتحقيقها، من مجرد فكرة نظرية ذاتية، إلى عمل مؤسسي جماعي تشرف عليه الدولة وتسيّره عبر وزارة مخصصة لذلك الغرض بمسمى وزارة الدولة للسعادة، وحققت من خلال ذلك الجهد المنهجي المدروس مراكز متقدمة في مؤشرات السعادة العالمية.
تلك الجهود تتطلب مشاركة فعالة من عضو مهم في المجتمع هو المثقف، ذلك الذي بإمكانه من خلال ما يكتب وما يقدمه للمجتمع من فكر أن يرسخ فكرة السعادة، وينشرها على أوسع نطاق، وهو ما جعل مجلس إدارة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، يقرر في سنة 2016 تعيين رئيس تنفيذي للسعادة، في خطوة هي الأولى من نوعها بالنسبة للجمعيات ذات النفع العام في الإمارات.
«الخليج» تواصلت مع بعض المثقفين الإماراتيين، وسألتهم، عن كيف يسهم المثقف في صناعة السعادة؟
الدكتور محمد حمدان بن جرش والذي تم اختياره كرئيس تنفيذي للسعادة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، تحدث عن البيئة المشجعة على صناعة السعادة في الدولة، وعلى الحرص على توفير كل القيم التي من شأنها أن تنتج تلك السعادة فقال: «بما أننا دولة مؤسسات، فقد انبرت الدولة بهيئاتها الرسمية والأهلية ومن ضمنها الاتحاد، كمؤسسة تعنى بنشر الثقافة وتوظيف الأدب في خدمة المجتمع، إلى صناعة الإيجابية، وتفعيل الأمل».
وشرح ابن جرش كيف أن صورة ما ينتجه الكاتب والمثقف تعكس بالضرورة مدى إيجابيته، وبالتالي فهو سيؤثر على المجتمع من خلال حروفه فقال: «المتلقي يقرأ من خلال الحروف والكلمات، المعاني التي تزخر بها نفس المثقف، ويتأثر بها، وبالتالي فإن المثقف حين يكون إيجابياً، متفائلاً، سينقل نفس الإحساس للناس من خلال إنتاجه الذي يصل إليهم، وستفوح السعادة من كلماته كما تفوح رائحة العطر من الورود، وعلى العكس من ذلك كلما كان المثقف سلبياً، سوداوي النظرة للأمور والأشياء من حوله، انتشر القلق والخوف من المستقبل ومن الآخر في المجتمع».
وشدد ابن جرش على أن المثقف سيدمر ذاته أولاً وقبل كل شيء، حين لا يغذي عقله ولا يُفعِّلُه كي ينشر النور والتسامح والإيجابية، وقال: «الأفكار الظلامية التي تنتشر في عصرنا الحالي، هي بنت الغثاء الذي يملأ بعض العقول ويستوطنها، وكلما غذى المثقف عقله بمصادر الطاقة الإيجابية، كلما نجا من تدميره لذاته وللمجتمع من حوله، وإذاً؛ فهو مطالب أكثر من أي شخص آخر في المجتمع بالتحلي بصفات خاصة وبأن يكون مركز سعادة وذلك بالنظر لدوره المحوري في المجتمع».
وتحدث ابن جرش عن الخطوات العملية التي يمكن أن تحقق السعادة من خلال مسؤوليته كرئيس تنفيذي في الاتحاد عنها، فقال: «المثقف هو أساس التغيير، وعملياً نحن نقوم بذلك عن طريق المشاركة الفعالة، وتجهيز المثقفين لدورهم بالورش، والدراسات، التي تؤكد أهمية دورهم في إنتاج السعادة وتعميمها، وقناعتنا في هذا الإطار أن المثقف لن ينشر السعادة إلاّ بالاحتكاك بالمجتمع على الأرض، وليس عن طريق المواقع الإلكترونية الافتراضية، وكلما كان هناك تواصل للمثقف مع مجتمعه، جسّد ذلك دور المثقف العضوي الحقيقي كما هو معروف عنه».
وأكد ابن جرش أن السعادة لم تعد مجرد فكرة نظرية، بل باتت علماً ومنهجاً يقاس ويُطور الأداء من خلاله، وقال: «السعادة هي قياس، فكلما توفرت الحاجات التي يرغب الفرد والمجتمع بالحصول عليها، ارتفع معدل الرضا، والشعور بالأمان، وكلما نقصت تلك الحاجات كلما ارتفعت معدلات القلق والتوتر، ونحن هنا في الإمارات حوَّلنا مراكز خدمة المتعاملين إلى مراكز إسعاد المتعاملين، للتأكيد على محورية السعادة وأهمية مؤشراتها».
الشاعر كريم معتوق قال: إن السعادة هي رسالة قدرية لكل مثقف وأضاف: «يترتب على كل مثقف أن يكون معنياً بتلك الرسالة وأن يشعر أنها أمانة أوكلت إليه قدرياً، ويتوجب عليه العمل عليها، وعلى الجانب الإيجابي في المجتمع وتنميته، كما يجب عليه أن يمتنع عن بث الإحباط في المجتمع من خلال ما يكتبه وينتجه».
وتحدث معتوق عن مهمة يسميها «مهمة الأمل» وتتلخص في عدم نشر ما يحبط أو يؤلم من قضايا للناس، وقال: «قد يشعر الشاعر بالإحباط والألم من جراء القضايا التي يراها يومياً على شاشات التلفزيون، والمتعلقة بأمته، لكن عليه ألا ينجرف مع اللحظة وعاطفتها وألمها، فينشر ذلك الإحساس الأليم، ويصدر بالتالي الإحباط للناس، عليه أن يكتب عندئذ لنفسه، ويعبر عن ألمه، لكن لا ينبغي أن تكون تلك الكتابة منشورة للناس».
واعتبر معتوق أن مهمته كمثقف هي زراعة الأمل ورعاية ذلك الزرع حتى يشتد وينمو وقال: «مهمتي أن أزرع الأمل، وأن أرعاه، وعليّ كمثقف أن أكون حامل مصباح لا حامل معول».
وأكد معتوق أن المثقف عليه أن يعمل من أجل الإنسانية وتعمير الأرض، وبذلك سينشر السعادة المتولدة عن الأمل، وقال في ذلك السياق: «لا ينبغي لبعض المثقفين أن يبحث عن صناعة المآسي وترويجها من خلال فكره وإنتاجه، بل عليه أن يضيء على الجوانب الإيجابية في كل القضايا، وعلى البعد الإنساني فيها، فكلما أضاء على ذلك، أسعد المتلقي، وكلما أبرز فقط الجوانب المؤلمة أو السيئة، أحبط متلقيه ونشر التعاسة في جوانب نفسه».
واختزل معتوق مهمة المثقف في صناعة السعادة بقوله: «من واجبنا بث الأمل، والتخفيف من غلواء الواقع، وإبراز النقاط الجيدة والمبشرة فيه، وإعطاء الشعور للناس بأن الحاضر والمستقبل أفضل وأفضل».
الشاعر سالم بو جمهور عبر عن مدى أهمية دور المثقف في صناعة السعادة فقال: «المثقف هو بمنزلة الشجرة التي تزيد جمال حديقة غناء اسمها السعادة، وتمدها بمزيد من الخضرة والظلال الوارفة».
وشدد بوجمهور أن المثقف بطبيعته عليه أن يكون مضيئاً وناشراً للنور والأمل، وأكد بو جمهور على أنه حتى ولو اختلفت النظرة لماهية السعادة وتنوعت التنظيرات حولها؛ فإنها تبقى مرتبطة بما أسماه «ممارسة الإضاءة من المثقفين»، وقال: «العالم الذي نعيش فيه الآن هو عالم سريع التغير، في كل بضع سنين تجد تطورات جديدة تنعكس على عقول الناس وعلى طريقة تعاملهم مع الحياة من حولهم، ومن واجب المثقف أن يقود المجتمع إلى القيم الإنسانية الأصيلة والباقية، فنحن الآن نحتاج للسلام، وعلى المثقف أن يحدد أولويات القيم في كل مرحلة تطور، وأن يدعو لها».
وأبرز بوجمهور ما يتوقعه ويريده من المثقف في مجال صناعة السعادة: «أريد من المثقف أن يكون صادقاً، ومنفتحاً، يجب ألاّ نكون انطوائيين على ذواتنا، وعلينا أن نكون إنسانيين أكثر، وكلما كنا إنسانيين، كنا صناع سعادة، وإذا لم يكن المثقف صاحب نظرة كونية إنسانية، فسيصبح مجرد حجر نُرد لا أهمية له».
الكاتب والشاعر عبد الله السبب قال: إنه من الصعب أن نؤطر الإجابة عن دور المثقف في صناعة السعادة في بضع كلمات أو أسطر، وأبرز أن مهمة المثقف التي تنطلق من كتابة الكلمة الصادقة ووضعها في المكان المناسب، تجعله أساسياً في عملية صناعة السعادة، وقال: «المثقف يمارس دوره في صناعة السعادة ونشرها من خلال كلماته الصادقة ومن خلال منتوجه الإبداعي أو مشاركاته في الأحداث المجتمعية من حوله، وهناك أحداث كثيرة تمر على وطننا العربي وعلى الإمارات، وعلى المثقف ألاّ ينأى بنفسه، ويكون سلبياً، بل يجب أن يشارك في التفاعل مع تلك الأحداث، ويقدم صورة إيجابية عنها، لأن تلك مسؤوليته تجاه الناس، فهم من وضعوه رمزاً
وجعلوا له مكانة بينهم، ولذا فعليه أن يخدمهم بأن ينشر السعادة بكل قيمها بينهم».
وأكد السبب، أن المثقف لا ينبغي أن يكتب عن أي قضايا مؤلمة لا لنفسه ولا للناس، لأن ما بداخله من ألم وإحباط سيظهر حتماً للناس مهما حاول إخفاءه، وهو بذلك سينشر بينهم المشاعر المحبطة نفسها.
«على المثقف أن يصنع السعادة من خلال تقديره لذاته أولاً» هكذا استهل الشاعر عبد الله الهدية كلامه، وأضاف قائلاً: «ينبغي على المثقف أن يعمل أولاً على اكتشاف الشخصيات التي تسكنه، ثم بعد ذلك يكون متصالحاً مع ذاته، ثم بعد سينشر تلك الطمأنينة والسعادة».
وأشار الهدية إلى ارتباط صناعة السعادة بسمو الروح وقال: «البحث عن السعادة ونشرها، هو سمو بالروح، وكلما سمت الروح، تحقق الرقي، والذي هو جوهر السعادة، وحين أكون كمثقف سعيداً فتلقائياً سأنشر ما أشعر به، أما حين أكون عاجزاً عن تلمس مكامن السعادة في نفسي، ومدمناً على إنتاج البكائيات، فسأعجز عن تأدية مهمتي كصانع للسعادة».
وشدد الهدية على أن المثقف يجب عليه أن يكون صاحب رؤية في مجال نشر السعادة، وأن يكون لديه منهج واضح يبتعد عن البكائيات وعن مواضيع الألم، وقال: «جميل أن نتحسس الجرح، لكن الأجمل أن نخلق التفاؤل، وأن نتلمس الألم، ونعطي بدائل له، وأن نأخذ الناس إلى الطمأنينة بعيداً عن اللحظات الأليمة وانفعالاتها، فحين تحب وطنك مثلاً وتكتب فيه قصيدة تفاؤل بعيداً عن الدموع واستثارتها، تكون قد أعطيت نموذجاً للسعادة وللأمل لمتلقيك».