دبي: عثمان حسن

«الجواهري معاصراً»، هو عنوان الملتقى الذي نظمته مؤسسة العويس الثقافية في مقرها بدبي، ويستمر على مدى يومين، حيث عقدت أمس الأول، جلستان حاضر في الأولى الدكتور علي جعفر العلاق، والدكتور ضياء عبد الرزاق العاني، وأدارتها الكاتبة صالحة غابش، رئيسة المكتب الثقافي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة. أما الجلسة الثانية فحاضر فيها كل من الدكتور عارف الساعدي، والدكتور أحمد الزعبي، وأدارتها الكاتبة باسمة يونس.
العلاق قدم ورقة بعنوان: «تأملات في شعرية الجواهري»، تطرق فيها إلى ما تمتعت به شعرية الجواهري التي وصفها بشعرية الجمال والقسوة، حيث تبرز في قصائده كل أشكال المتناقضات والتحولات في الشأن العراقي السياسي والاجتماعي، فليست لديه صورة مترفة، كما هو لدى نزار قباني مثلاً، فهو ابن العراق حيث تتصادم الثقافات، وتختلف البيئات ويتنوع المناخ.
وقال: «يبدو لي أن الجواهري، على العكس من أحمد شوقي أيضاً، لا يرتفع بقصيدته غالباً إلا في مناخٍ من التحدي والغيظ المحتدم والافتتان بالذات؛ تلك الغابة التي يعرف ممراتها الضيقة وهو مغمض العينين، لذلك ليست لديه كما ليست لدى المتنبي أيضاً تلك الرقة التي تميز بها شعراء معدودون عبر تاريخنا الشعري كجرير، وعمر بن أبي ربيعة، والعباس بن الأحنف، والبحتري، والشريف الرضي، وشوقي على سبيل المثال».
وتحت عنوان: «فتور العاطفة الغزلية» قال العلاق: «قد لا نرى تفسيراً لمثل هذا التعبير الفاتر عند الجواهري، إلا في العودة ثانية إلى المتنبي، فالشاعران كلاهما يصدران عن نفس متعالية حانقة على المتجبرين على ضعاف خلق الله، غير أنهما، لا يجدان في إحساسهما بالمرأة ما يجدانه في موضوعات أخرى. وتبدو المرأة في شعرهما كائناً غائم الملامح، ليس لها ما وُهِبتْ من جبروت الجمال، أو قوة المحبة أو موهبة المناورة».
أما العاني فقدم ورقة بعنوان: «الرفض في شعر الجواهري بين رصد الواقع وتأصيل المثال»، وأوضح أن اختياره لموضوع الرفض في شعر الجواهري، يعود لندرة اهتمام الدارسين به، وخلصت ورقته إلى أن بنية الرفض في شعر الجواهري بنية أساسية فيه؛ إذ لم يكن رفضاً عبثياً، ولا عدمياً مقطوع الصلة عن محيطه؛ بل هو رفض مؤسَّس على رؤية فنية وتصور ذهني واضح.
وأكد أن الجواهري حاول ترسيخ قيمه ومبادئه في المجتمع، من خلال استثمار الواقع وتناقضاته لتقديم أفكاره، وإغناء تجربته الشعرية، واختبار قدرته على تصوير المجتمع بروح متوقدة، تستمد فاعليتها من الصدق الشعوري، وعمق انتمائه إلى الأرض والجماهير، حتى غدا شعره سجلاً حافلاً بالقيم والمبادئ التي تخدم المجتمع بكافة شرائحه، وصورة واضحة للتعامل بين الذات والواقع، وتشخيصاً للعلاقة القائمة بين الشعب والسلطة، كما أنه اتخذ من قيم التقدم والتخلف قاعدة لبلورة مشروعه، فاهتم بتعميق مبادئ الانتماء والهوية والتحريض على المجابهة، والتطلع نحو تحقيق المجد والسؤدد.
وعاين الساعدي في ورقته: «الجواهري.. جغرافية الكتابة»، الكثير من القصائد التي لها صلة بجغرافية المكان، بوصف المكان مؤثراً رئيسياً في شعر الجواهري، وإن قصائده تتبدل بتبدل الأمكنة والمدن، وحتى القرى، وقال: «بسبب تجوال الجواهري وترحاله مسافراً ومنفياً، نجد ترحالاً مشابهاً في القصائد، حيث اللغة الشعرية التي تبدل جسدها بتبدل الأماكن، كأن المدن تنفث سحراً في لغة الجواهري، فيتحول بقدرة شاعر ملتصق بالمكان ومتأثر به، ومنفعل بتفاصيله، فالمكان جزء رئيسي من قصيدته؛ لذلك نجد هذا التفاوت الهائل بين جواهري النجف في العشرينات، وجواهري براج في الستينات، وما بينهما مدن وقرى وحارات وشوارع وعواصم عربية وأوربية».
وأضاف: «كل هذه الأماكن تركت أثرها على نص الجواهري، وأول هذا الأثر يتضح من القشرة الأولى وهي لغة القصيدة، حيث تتحول من اللغة الوعرة والخشنة والتقليدية، إلى لغة مختلفة ومنسابة ودافئة ورقراقة، وبعد اللغة تأتي الموضوعات التي يعالجها، فمن القضايا الكبرى التي يشترك بهمومها الملايين، نجده معبّراً عن أصوات الجميع، فيما صوته الخاص والذاتي ذائب في تفاصيل هذه الملايين، علماً أن التجربة الشعرية هي تجربة ذاتية خالصة».
الزعبي توقف في ورقته: «حوار فلسفي بين الجواهري والمعري»، عند قصيدة الجواهري الشهيرة (أبو العلاء المعري). وقال: «ينطلق الجواهري في حواره الفلسفي مع أبي العلاء في هذه المطولة، من أرضية مشتركة يقف عليها الشاعران تنتصر للعقل ضد الجهل، وللحرية ضد القيد، وللعدل ضد الظلم، وبالمعنى الشامل للإنسان النبيل المستنير ضد الآخر المشوّه».
وقد رصد الجواهري بحسب الزعبي في قصيدته عدداً من القضايا الفلسفية والفكرية والاجتماعية والعاطفية التي جسدت فلسفة المعري ورؤيته الوجودية الشاملة المستنيرة للكون والإنسان والحياة والموت والزمان، وهي القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً وخلافاً حاداً حول المعري في عصره، وفي العصور اللاحقة.
وأكد الزعبي أن المعري شكل ظاهرة فكرية جدلية في التراث العربي قديمه وحديثه، كما تحدث عن إنصاف الجواهري للمعري وتوضيح مقاصده، وتبرئته من كل التهم التي كانت قاصرة عن فهم أبعاد فلسفته وعبقريته، التي أثبتت صدقها وعمق رؤيتها في العصور اللاحقة شرقاً وغرباً، حيث حظي بمكانة فلسفية وفكرية كبيرة لدى المؤرخين والفلاسفة العرب والغربيين، وخاصة بعد صدور كتاب الناقد بلاسيوس ميجيل: «الإسلام والكوميديا الإلهية» الذي أثبت فيه تأثر دانتي في «الكوميديا الإلهية» برسالة الغفران للمعري.
وأشار إلى أن المعري انفرد بشخصية يصعب تكرارها، حيث لم نعثر على شبيه لها في تاريخ البشرية، فقد جمع خمس سمات في شخصيته لم تجتمع في شخص واحد قبله أو بعده، وهي: فقدان البصر، النباتية، العزوبية، والعزلة أو الاعتكاف في بيته لنصف قرن، ولزوم ما لا يلزم في شعره (الالتزام بحرفيْ روي في القافية أو أكثر في القصيدة لا حرف روي واحد، كما هو معروف في الشعر العربي).
كما شهد الملتقى توقيع الدكتور عبد الإله عبد القادر كتاب: «يا دجلة الخير.. مختارات من قصائد الجواهري»، الذي صدر حديثاً عن مؤسسة العويس الثقافية، ضمن مشروع «سلسلة الفائزين»، وهو إعادة لطباعة أفضل كتاب لكل فائز بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية.