رغم أن «مسرح الشارع» من أكثر التصنيفات المسرحية قدرة على الوصول لكل فئات الجمهور والاحتكاك بهم مباشرة، ودمجهم ضمن بوتقة الفعل المسرحي، ورغم أنه قديم جداً، فقد ظهرت بوادره الأولى في أوروبا، منذ زمن طويل، إلا أنه ما زال غائباً بشكل يكاد يكون تاماً في معظم فعاليات وأنشطة الفرق المسرحية الإماراتية، والنموذج الوحيد الموجود هو مهرجان خورفكان المسرحي، الذي تقيمه دائرة الثقافة، في إطار الموسم المسرحي في الشارقة.
يطرح هذا الغياب الكبير لمسرح الشارع، كأحد تجليات المسرح الفعال، أسئلة عديدة من قبيل: لمَ غاب هذا النوع من المسرح؟، وهل يتعلق الأمر بظروف وعوائق فنية أو مادية تمنع من إنجاز عروض للشارع؟ وكيف يمكن التعامل مع ذلك الغياب، واستحداث أفكار جديدة لإقامة مثل ذلك المسرح في الشوارع والساحات العامة؟.
حاورنا عبر تلك الأسئلة وتداعياتها، مجموعة من المسرحيين في الدولة، واستطعنا أن نقارب مفهوم الغياب ذلك، ونحدد من خلال وجهات نظرهم، أهم تلك المعوقات، التي لا تزال تعترض طريق «مسرح الشارع» في الوصول إلى الناس، الذين هم في الأساس جزء أصيل من مكوناته.
الكاتب المسرحي غنام غنام، ابتدأ حديثه بالتنبيه إلى أن مسرح الشارع يغيب في كل الوطن العربي تقريباً، وأكد غنام أن هذا النوع من المسرح هو الأصعب من بين كل أنواع المسرح، وبرر ذلك قائلاً: «إنه الأصعب من بين كل أنواع وتجليات المسرح؛ لأن مسرح العلبة الإيطالية يتميز بعدة سمات تجعل مهمته سهلة، أما هو، فلا بد من توفر قدرات وطاقات عالية ومتخصصة فنياً، كي يصل إلى هدفه، وتبدأ تلك الأمور التي يحتاجها مثل هذا المسرح، من بناء النص، ومن قدرات خاصة لنوعية الممثلين فيه، ومن الفكرة الإخراجية له».
ويعتبر غنام أن مسرح الشارع هو موقف فكري، يقدم محصلته للناس، ويناقشها معهم بشكل مفتوح، ويشير إلى أن سر تأخره في العالم العربي، هو سيادة ثقافة الخوف من الشارع في فترات معينة من تاريخنا ويقول: «في الماضي سادت ثقافة الخوف من الشارع، ورغم أننا نتواجد بشكل يومي في الشوارع والمقاهي، ونتبادل الأخبار والنكات وغيرها، إلا أن المسرح لم يستثمر ذلك، والآن تغير الوضع، ومع ذلك فإننا نمتلك مسرحاً «في الشارع»، وليس «مسرح الشارع»، وكذلك فإن معاهد المسرح أسهمت في النظرة الدونية لهذا النوع من المسرح؛ إذ ركزت أكثر، على نشر القوالب الأكاديمية المعروفة من دون التعرض لتجربة جماهيرية مهمة كمسرح الشارع».
ويرى غنام أن مسرح الشارع هو نص ناقص لا يكتمل إلا بحضور الجمهور داخل تركيبته، ويقول: «ليس كل نص يمكن أن يعرض كمسرح شارع، لا بد للكاتب أصلاً عند كتابته لنصه، أن يترك داخله مساحات للناس ولارتجالهم، ولا بد أن يكون واعياً جداً ككاتب، لذلك، ويفعله باحترافية وتناغم».
المخرج والممثل حميد سمبيج، أكد أن مسرح الشارع هو الأكثر قدرة على اجتذاب الأسرة لحضوره، وقال: «هو يقرب الجمهور للمسرح، وهو بمثابة بطاقة تعريف للفنان يمنحها له الجمهور، من خلال احتكاكه المباشر من دون حواجز معه، ويمكن استغلاله لتقديم تقنيات الارتجال، وكذلك للإعلان عن العروض المسرحية الكبرى».
وأكد سمبيج صعوبة تنفيذه مادياً من طرف الفرق الإماراتية، وأشار إلى أنه يحتاج إلى توفر تقنيات كبيرة ومكلفة مادياً، وقال إنه في الإمارات يحتاج الموضوع إلى تبنٍ من الدولة، ف«هذا النوع من المسرح يحتاج دعماً كبيراً لا تقدر عليه الفرق المسرحية وحدها، لذلك فهو يعتمد على تبني الدولة له».
وفي معرض حديثه عن أسباب غياب مسرح الشارع قال سمبيج: «إنه مسرح مرتبط بأجواء طقسية ومناخية لا بد أن تتوافر، حتى يستطيع الجمهور حضوره، ولذلك فغالباً لا يسمح الطقس هنا بإقامته، وتجمع الناس حوله، والنموذج الوحيد تقريباً الموجود، هو مهرجان خورفكان المسرحي، والذي يقام في الشتاء، وبدعم كامل من دائرة الثقافة في الشارقة».
وشدد سمبيج على أنه ليس كل ممثل يمكن أن يقدم نفسه في مسرح الشارع، ولا كل نص يصلح لذلك، وقال: «يتطلب مسرح الشارع توفر نوعية خاصة من الممثلين، يمتلكون قدرات جسدية متميزة، ومفعمين بالحياة، ولديهم مواهب استعراضية قوية، وكذلك لا بد من امتلاكهم شخصية ابتكارية تستطيع التعامل مع الارتجال بوعي وذكاء، دون خروج عن السياق العام للفكرة، ولا بد من أن يكون النص معداً سلفاً وخصيصاً لمسرح الشارع، والمؤلف لا بد أن يضع في اعتباره ذلك قبل كتابته».
الممثل والمخرج إبراهيم سالم يقول: «هذا النوع من المسرح يتطلب موارد مالية كبيرة، وبالنظر إلى ما تبذله دائرة الثقافة في الشارقة من جهود مادية في مهرجانات عديدة على مدار العام، كمهرجان كلباء، وأيام الشارقة المسرحية، والصحراوي، وغيرها، وإقامة مسرح شارع سيتطلب تكاليف إضافية باهظة»، ويضيف سالم قائلاً: «كذلك، فإن هذا المسرح تتطلب إقامته في أجواء كأجوائنا، الشتاء أو الربيع، وكلاهما فترة مشغولة جداً بالنشاطات المسرحية الآنفة الذكر».
ويؤكد سالم أن مسرح الشارع يتطلب قدرات خاصة ويقول: «يحتاج هذا النوع لأطروحات فكرية مصممة بشكل خاص، وممثلين مختلفين ومستعدين ذهنياً وجسدياً لذلك». وعن مدى قدرة الفرق الفنية الإماراتية على تجسيد مسرح الشارع يقول سالم: «الفرق المسرحية عندنا جاهزة فنياً لتقديم مسرح الشارع، لكن الأمر يتطلب أفكاراً جديدة، وذهنيات قادرة على التعامل مع كل التحديات والعوائق التي تؤخر ظهور مسرح الشارع».
وشدد سالم على أن مسرح الشارع لا بد أن يكون مختلفاً تماماً عن مسرح العلبة الإيطالية، وقال: «إذا كان ما سيقدم في مسرح الشارع، وطريقة جلوس الجمهور على كراسي دون تفاعل ولا مشاركة في العرض، فسنكون وكأننا لم نغادر أصلاً العلبة الإيطالية؟، لا بد أن يصمم العمل على أساس واضح، هو مشاركة الجمهور وإلا فلا يعد مسرحاً للشارع».
«البيئة المجتمعية هنا ليست مهيأة لمسرح الشارع»، هكذا بدأ المنتج والممثل سلطان النيادي، وشرح ذلك قائلاً: «أولاً الطبيعة الطقسية في الإمارات تمنع الناس من التجمع في الشوارع، وثانياً نحن مجتمع مختلف تماماً، مثل هذا النوع من المسرح قد ينجح في مجتمعات أوروبا وغيرها».
ويستعرض النيادي بعض المحاولات المسرحية لتجسيد مسرح الشارع في الإمارات حيث يقول: «رغم المعوقات الآنفة الذكر، ثمة محاولات لإقامة مسرح الشارع من بينها مسرحية «حبة رمل»، التي عرضت في الهواء الطلق وفي الأماكن العامة، وكانت تحمل سمات ومواصفات مسرح الشارع، وهناك كما أتذكر تجربة مسرحية لمرعي الحليان في الإطار ذاته».
واتفق النيادي مع الآراء السابقة، حول مواصفات مسرح الشارع الفنية، وقال: «أرى أننا يمكن أن ننجز مسرح الشارع، لكن بشروط معينة، من بينها وجود نص مهيّأ للشارع، و أن يكون العرض ملائماً للمكان الذي سيعرض فيه، سواء كان شارعاً أو حديقة عامة أو غيرها، والأهم هو وجود الجمهور ومشاركته في العرض».
يحرر الجمهور من أسر العلبة الإيطالية
مسرح الشارع.. الفرجة تتجول على قدمين
16 أغسطس 2018 02:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 أغسطس 02:04 2018
شارك
الشارقة: محمدو لحبيب