إن تخصيص القيادة الرشيدة للإمارات عام 2018 «عام زايد»، احتفاء بالذكرى المئوية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، يفتح أمامنا سجلاً حافلاً من الإنجازات العظيمة التي كانت تشكل أسس نهوض الدولة ورخائها؛ إذ استطاع طيب الله ثراه، بحكمته وقوة عزيمته أن يوحد الصف الإماراتي في مزيج قوي ومتين، لتتبوأ الإمارات مكانة مهمة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وركزت رؤية الشيخ زايد طيب الله ثراه، على فتح أبواب العلم والمعرفة أمام أبناء الإمارات، وقدم الغالي والثمين لتعليمهم والنهوض بمستوياتهم العلمية، معتبراً أن التعليم ركيزة لنهوض الأمم وازدهارها والارتقاء بالشعوب والمجتمعات، وسلاحها الأول في وجه أي معتدٍ، وأن الشباب هم «الثروة الحقيقية للوطن ودرعه الواقية، وسياجه الحصين، الذي يحميه من طمع الطامعين».
يعد قطاع التعليم أهم المرتكزات التي شغلت فكر واهتمام القيادة الرشيدة للدولة منذ إعلان الاتحاد؛ إذ استطاعت في فترة وجيزة النهوض بالتعليم وتحقيق نقلة نوعية من «عصر الكتاتيب» إلى الكوكب الأحمر (المريخ)، وصولاً إلى اتجاهات الذكاء الاصطناعي والعلوم المتقدمة، لتلحق بركب التقدم والتكنولوجيا، والابتكار والتنافسية العالمية، ونرى خطوات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على نفس درب الوالد والقائد والمعلم، مركزاً على استمرار مسيرة التنمية بثقة واطمئنان وعزم.
وأجمعت آراء خبراء وتربويين على أن الخدمات التعليمية، شهدت تقدماً كبيراً؛ إذ أسست الهيئات التي تشرف على التعليم، لتصل النهضة إلى القرى والحواضر، وتشمل الإناث والذكور الذين يتلقون تعليمهم مجاناً، فضلاً عن التعليم الخاص الذي يوفر تعليماً عالي الجودة لشريحة كبيرة في المجتمع، ومناهج نوعية تحاكي في مضمونها المتغيرات العالمية ومسارات المستقبل.
«الخليج» رصدت أبرز المحطات في مسيرة النهضة التنموية للتعليم، التي غرس جذورها الشيخ زايد طيب الله ثراه، في محاولة للكشف عن التغيرات الجذرية والتطورات التي شهدها ذلك القطاع الاستراتيجي، الذي يعد العمود الفقري لأي دولة في العالم.
رفعة الأمة
أدرك زايد في السنوات الأولى من عمر الاتحاد، أن العلم والعمل هما الطريق نحو رفعة الأمة وتقدمها وبناء الإنسان، فسارع إلى إعطاء الأوامر السامية ببناء المدارس ومراكز التعليم، في مختلف مناطق الدولة، فضلاً عن استقدام المعلمين والمعلمات من الدول العربية الشقيقة، لتعليم أبناء الإمارات، وزرع الأخلاق والعلوم في عقولهم ونفوسهم. وخلال سنوات قليلة قامت الدولة، ببناء المدارس، وتم إرسال الطلاب نحوها وتوفير كل ما يحتاجون إليه، من كتب وقرطاسية وثياب ووسائل نقل، حتى تعاقبت الأجيال المتعلمة، إلى أن توجت المسيرة التعليمية في الدولة بافتتاح جامعة الإمارات عام 1977.
في العام 1988، ومع تسارع معدلات التنمية الحضارية التي قادها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد طيب الله ثراه، أمر القائد بتدشين كليات التقنية العليا لتكون ذراعاً للتعليم التقني في الدولة والمنطقة، وقد نجحت الكليات خلال مسيرتها في رفد المجتمع بكوادر وطنية متخصصة في الهندسة، والتقنية والصحة، والإدارة والتربية، وغيرها من التخصصات العلمية، وحققت الكليات سمعة أكاديمية متميزة مما أتاح لخريجيها أن يكونوا محط أنظار سوق العمل في الدولة؛ إذ يتم استقطاب عدد كبير منهم للعمل في المؤسسات الحكومية والخاصة، وهم على مقاعد الدراسة قبل تخرجهم.
أيادٍ بيضاء
وبعد 10 سنوات من إنشاء كليات التقنية العليا، امتدت أيادي القائد البيضاء لتدشن جامعة زايد، وحدد لها القائد في رسالتها أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، لتكون جسراً للتواصل الحضاري مع العالم، يقدم إليه قيمنا وتقاليدنا وعاداتنا وحضارتنا العظيمة، وتأخذ منه ما يناسبنا من النهضة والتطور الإنساني.
وقد نجحت جامعة زايد خلال تلك الفترة من عمرها، في أن تكون منارة علمية كما أرادها القائد طيب الله ثراه، وطرحت تخصصات دراسية مميزة في البكالوريوس، والماجستير، وترتبط بعلاقات أكاديمية وثيقة مع عدد من المؤسسات والجامعات العالمية المرموقة، وتبعث سنوياً فرقاً طلابية لتلقي التدريب الميداني خارج الدولة في عدد من المؤسسات والمراكز البحثية الرائدة عالمياً.
واليوم نفخر بأن دولة الإمارات تتأهب لمجتمع المعرفة، ولتصنع بأيادي أبنائها منتجات معرفية تنتفع منها البشرية حاضراً ومستقبلاً، لاسيما أن الدستور الإماراتي يكفل للمواطن والمقيم حق التعلم، وجاءت الدولة تتصدر المراكز الأولى في المجالات كافة، بفضل ما يشهده قطاع التعليم من تطوير وجودة في المخرجات.
تناسق وتكامل
وفي وقفة مع ما آلت إليه الإمارات من تطوير في مسارات التعليم، نجد أن الدولة ركزت من خلال رؤيتها 2021، على برنامج عملي يستند إلى إجراءات، يتم تنفيذها في مجالات مختلفة في آن واحد، وتناسق وتكامل بينها، منها: التعليم والبحث العلمي والثقافة والاتصال والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام وغيرها من المجالات.
ونجحت في التخلص من الأمية والتقليدية في التعليم، ووصلت بمساراته إلى اتجاهات متقدمة، باستخدام أساليب التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن قانون إلزامية التعليم الذي يكفل للمواطن حقه في التعليم، والدستور الذي يكفل له حق العلاج بالمجان، وباتت الأمية عند الأجيال الجديدة في الدولة، تتمثل في الجهل باستخدام التكنولوجيا.
برامج بحثية وأكاديمية
وسجلت إحصائيات، ارتفاع عدد المدارس الحكومية من 129 في بداية الاتحاد، إلى ما يقرب من 725 مدرسة في الوقت الحالي، وزاد عدد الطلبة فيها من 24.000 طالب وطالبة في بداية الاتحاد، إلى مليون و200 طالب وطالبة في المدارس الحكومية والخاصة تقريباً، وعلى مستوى التعليم الخاص، فقد زادت المدارس الخاصة من 24 مدرسة في بداية الاتحاد إلى 473 مدرسة، وعلى مستوى التعليم العالي فإن لدى الإمارات حالياً 80 جامعة ومعهداً، تقدم أكثر من 780 برنامجاً بحثياً وأكاديمياً.
وشملت التغيرات وأعمال تطوير التعليم، البينة التحتية للمدارس ومرافقها المتعددة، لاسيما المختبرات والمكتبات ومراكز مصادر التعلم، وعناصر العملية التعليمية ومكوناتها، من المناهج والمقررات الدراسية، وأساليب التدريس الحديثة، ونظم التقويم والامتحانات، وتطوير أداء أعضاء الهيئات الإدارية والتدريسية والفنية، وطالت عملية التطوير المراحل التعليمية كافة من الرياض إلى الجامعة.
مشاهد مضيئة
لعل من أبرز مشاهد التطوير التي جسدتها الإمارات، للولوج إلى مجتمع المعرفة، خطة التطوير والإحلال التي تشهدها مدارس الدولة، إذ تشتمل على إضافة 78 مدرسة جديدة، وإحلال 286 مدرسة من أصل 417 مدرسة قائمة حالياً، ليصبح المجموع النهائي للمدارس على مستوى الدولة 209 مدارس، وتدخل الخدمة أول مجموعة من المدارس الجديدة بحلول عام 2019-2020 وتشمل 4 مدارس في مرحلتها الأولى، فضلاً عن دمج المدارس المتقاربة ورفع الكثافة الطلابية للمدرسة، واعتماد مواصفات عالمية، وفق نموذجين للمدارس الجديدة؛ الأول يضم مرحلة رياض الأطفال والحلقة الأولى، مع مراعاة الفصل بينهم، والثاني يستوعب الحلقة الثانية والمرحلة الثانوية، بطاقة استيعابية تتراوح ما بين 1500 و2500 طالب بمساحة للمرافق التعليمية تصل إلى 267,5 متر.
ومن مظاهر تطوير التعليم في الإمارات، استحداث وزارة التربية مساراً للتعليم المهني ضمن التعليم المستمر، الذي يبدأ من الصف السادس. وبعد اجتياز الطالب للاختبار التشخيصي، يدرس عدداً من المقررات وفق المرحلة الدراسية، وهي أولاً: المبادئ الأساسية في الصيانة الإلكترونية، وتقنيات اللحام، والتصميم الجرافيكي، والهندسة المدنية، وثانياً: اللغة الإنجليزية، والعربية، والتربية الإسلامية، والرياضيات، ومهارات الحاسب الآلي، وثالثاً: عمليات إنتاج النفط والغاز، ومهارات الحاسب الآلي، وإدارة الأعمال، والموارد البشرية، والسفر والسياحة، ويمكّن هذا المسار الطالب من الحصول على المزيد من التعلّم المهني وفقاً لمعايير هيئة المؤهلات الوطنية، من المستوى الأول إلى الرابع، ليتمكّن بعدها من الالتحاق بالوظائف المهنية.
تقارير دولية
وأفادت التقارير الدولية والمؤشرات العالمية، الخاصة بالوضع المعرفي للإمارات وجاهزيتها للولوج للاقتصاد القائم على إنتاج المعارف، بأن الدولة سجلت تقدماً في مجالات الصحة والتعليم والدخل، وتجلى ذلك في تبوّؤ الإمارات مكانة بين دول العالم التي تتمتع بتنمية بشرية عالية جداً في مؤشرات التنمية البشرية، الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث احتلت المركز الثالث عربياً، والأربعين عالمياً، فضلاً عن احتلالها المرتبة الأولى خليجياً وعربياً، على مقياسيْ المعرفة واقتصاد المعرفة بقيمة 7.09 و6.94 على التوالي، والمرتبة 42 على مستوى العالم بين 145 دولة، متقدمة بذلك ستة مراكز عن موقعها، وحققت تقدماً ملحوظاً في مقياس التعليم والموارد البشرية من 4.4 في عام 2000 إلى 5.8 في عام 2012، واحتلت المركز الثاني عربياً بعد البحرين والمركز 55 عالمياً في هذا المؤشر، الذي يتألف من متوسط لثلاثة عوامل هي: معدل تعليم الكبار في الدولة، ومعدل الالتحاق بالتعليم الثانوي، ومعدل الالتحاق بالتعليم الجامعي.
ومن بين الأهداف التي وضعتها القيادة الرشيدة نصب عينيها، تخريج جيل من أبناء الدولة قادر على خدمة وطنه، وتلبية احتياجاته.. جيل طموح يرتقي بالبلاد وترتقي معه، إضافة إلى تأمين أفضل أدوات التعليم الذكي، وتجهيز المدارس بمختبرات حديثة، وتحديث المناهج لتتلاءم مع متطلبات العصر، وتدريب جميع الطلبة عبر الإنترنت، وتزويدهم بكل المصادر التعليمية اللازمة.
وعززت قيادتنا الرشيدة تكنولوجيا المعلومات من خلال مبادرة التعلم الذكي، التي تعد تحولاً جذرياً لمسار التعليم في الإمارات، إضافة إلى افتتاح أول جامعة إلكترونية في دبي على مستوى المنطقة، أثبتت فعاليتها وحصلت على كثير من الجوائز العالمية.
توطين المعرفة
وضعت الإمارات آلية التحرك لإدماج الشباب في عمليات نقل وتوطين المعرفة، في شكل سفينة تبحر وتتحرك نحو المستقبل، وهو «مجتمع المعرفة» المنشود، وصولاً إلى مستويات أرحب للتنمية الإنسانية. وتحمل السفينة على متنها كل ما يمكن من «الشباب»، فقاعدة السفينة تمثل البنى والعمليات والمؤسسات الأساسية لنقل وتوظيف وتوطين وإنتاج المعرفة، ومنها الأدوات المالية والاقتصادية والتشريعية والمؤسسية والدعم المجتمعي، وعلى متنها الشباب المتسلحون بالمهارات المعرفية والقيم، والمنفتحون على العالم، والمنتمون للوطن، والفاعلون اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، وبين قاعدة السفينة ومن على متنها، مجموعة من الآليات أو الأدوات التي تسمح للشباب وتضمن لهم الفعالية في عمليات نقل وتوطين المعرفة، ومنها: المخصصات المالية، والتخطيط، والانفتاح والتواصل، والترجمة، والرقمنة، والمتابعة والتقويم، والشراكات العالمية والإقليمية، والتحفيز والدعم، والحوكمة الرشيدة.
ويظل التعليم الهاجس الأكبر للدولة؛ إذ إنها تبنت خطة مستقبلية لتطويره، واضعة نصب أعينها تحقيق أهدافها لتصل به إلى مستويات معيارية تتماشى مع معطيات التكنولوجيا والعلوم، وركزت هذه الخطة على بناء أجيال تكنولوجيا المعلومات وتعزيز قيم المجتمع ومبادئه، ومواكبة المتغيرات العالمية في المجالات كافة، فضلاً عن توطين التعليم، لتصل نسبة المواطنين العاملين في سلك التربية والتعليم إلى 100% بحلول العام 2020.
واليوم تنتشر المدارس في كل قرية، وكل طالب وطالبة ينال حظه من التعليم والرعاية التربوية من دون تمييز، لاسيما بعد اعتماد قانون إلزامية التعليم وتطبيقه.
إيفاد الطلبة
ركزت جهود القائد والمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خلال مسيرة تأسيس التعليم في الدولة، على فتح الباب أمام المتميزين من أبناء الوطن، لاستكمال دراساتهم العليا في الخارج؛ إذ إن وزارة التربية والتعليم، توفد أعداداً كبيرة من هؤلاء الطلاب والطالبات سنوياً، للدراسة في عدد من الجامعات العالمية البارزة، وبعد إنجاز الطلبة لدرجاتهم العلمية في الماجستير، والدكتوراه، يعودون إلى الوطن ويساهمون في دفع عملية التنمية به.
التعليم والاستدامة
وضعت الإمارات «التعليم والاستدامة وفرص العمل وجذب الاستثمارات»، أهدافاً أساسية ضمن مسيرتها التنموية، حيث تسهم في تحفيز الابتكار والنمو الاقتصادي، الذي تطمح إليه الدولة، وتركز متطلبات تحقيق تلك الأهداف على المعرفة، التي تعد أبرز أسس التقدم، ومشاركتها مع الآخرين وتعزيز روابط الاتصال وتبادل الخبرات والمعلومات، وتعزيز ثقافة الابتكار لدعم الاقتصاد المعرفي واستدامة النمو.
فمعرض إكسبو دبي 2020 يعكس هذه الحقيقة من خلال شعاره البارز: «تواصل بين العقول»، وسهولة التحرك والتنقل، وهي من أبرز ركائز إكسبو 2020.
مجتمع المعرفة
في مسيرتها نحو بناء مجتمع المعرفة واقتصادها، وضعت الإمارات سياسات وبرامج ترمي إلى زيادة تأثير تكنولوجيا المعلومات في إصلاح التعليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع الاستمرار في تطوير التعليم وربطه بالمتغيرات السريعة والمتلاحقة في تكنولوجيا المعلومات الحديثة.
وتعد البنية التحية للمعلومات والاتصالات، ركيزة أساسية لاقتصاد المعرفة، والأساس في وصول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لجميع السكان، وتكريس استخدامها بما يؤدي إلى زيادة تدفق المعلومات والمعارف، حيث ارتقت الإمارات بالمستوى التكنولوجي لشبكة الهاتف والخدمات الهاتفية الأخرى الداعمة لشبكة الإنترنت، حتى بلغت مكانة متقدمة من بين دول العالم، وغدت تمتلك واحدة من أكثر البنى التحتية تطوراً في مجال المعلومات والتنوع العددي، وفي مستوى الخدمات المتقدمة.