توفي، أمس الخميس، المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان بين عامي 1985 و 1986 الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري.
وأعلنت الرئاسة السودانية في بيان أن «المشير عبدالرحمن سوار الذهب لبّى نداء ربه صباح الخميس بالمستشفى العسكري بالرياض» في السعودية. وأشارت الى أن وفاته جاءت بعد صراع مع المرض امتد لفترة طويلة. وأكدت الرئاسة أنّ جثمان الراحل سيدفن في مقابر البقيع بالمدينة المنورة بالسعودية، من دون أن تحدد تاريخاً لمراسم الدفن.
وأضافت: «إذ تنعى رئاسة الجمهورية سوار الذهب إنما تنعى إسهاماته الوطنية والإسلامية الكبيرة، فقد خدم وطنه وشعبه جندياً مخلصاً في الدفاع عن تراب الوطن ووحدة أراضيه وسيادته».
التحق سوار الذهب المولود عام 1935 بالقوات المسلحة السودانية كضابط عام 1955 وتدرج في صفوفها حتى تقلّد منصبي رئيس هيئة الأركان-القائد العام ووزير الدفاع.
وفي «انتفاضة» 6 إبريل/نيسان 1985، انحاز الجيش السوداني بقيادة القائد العام وزير الدفاع سوار الذهب الى الانتفاضة الشعبية بضغط من كبار الضباط والاستخبارات العسكرية، التي حذرت من انقلاب يقوده صغار الضباط اذا رفضت القيادة اتخاذ موقف حاسم يحفظ للقوات المسلحة وحدتها ويمنع حمام دم كان اللواء عمر محمد الطيب نائب نميري، قد توعد به.
وبتنسيق مع قادة الانتفاضة من أحزاب ونقابات، تقلد سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي (المؤلف من 15 ضابطا يمثلون قادة الأسلحة المختلفة في الجيش ويمثلون اقاليم السودان كافة)،فيما تولى نقيب الاطباء الجزولي دفع الله رئاسة الحكومة الانتقالية، ومدتهما عام، إلى حين تسليم السلطة الى حكومة منتخبة.
وفي بادرة لم يعهدها التاريخ العربي المعاصر، سلم المشير سوار الذهب في 6 مايو/ايار 1986 مقاليد السلطة للحكومة الجديدة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، واعتزل العمل السياسي ليتفرغ لأعمال الدعوة الإسلامية والعمل الخيري، مسخِّراً لذلك كل طاقته وإمكاناته وفكره، في إطار منظمة الدعوة الاسلامية التي تأسست مطلع ثمانينات القرن الماضي في السودان، وعملها في قارة إفريقيا. وتولى سوار الذهب منصب رئيس مجلس أمناء المنظمة.
ولد سوار الذهب بحي ودنوباوي بأمدرمان 1935، حيث انتقل والده من مدينة الأبيض ليستقر به المقام بأمدرمان، وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي. والتحق المشير سوار الذهب بالكلية الحربية السودانية وتخرج فيها عام 1955، كما تلقَّى دراسات في العلوم العسكرية العُليا في بريطانيا والولايات المتحدة ومصر والأردن. وتقلد عدّة مناصب في الجيش حتى وصل به المطاف إلى منصب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة -القائد العام ووزير الدفاع.
ورفض سوار الذهب تسليم حامية مدينة الأبيض العسكرية عندما كان قائداً لها عند انقلاب الرائد هاشم العطا في 19 يوليو/تموز 1971، حتى استعاد نميري مقاليد الحكم بعد ثلاثة أيام عقب سحق الانقلاب الموالي للحزب الشيوعي..
رغم ان سوار الذهب كعسكري محترف لم يعرف عنه العمل بالسياسة، فقد أُبعِد عن الخدمة (تعسفيا) في العام 1972 باعتبار ان قائد انقلاب 19 يوليو المقدم بابكر النور سوار الذهب من اسرته الكبيرة،.
وأعيد الى الخدمة بعد ثبوت براءته من اي صلة بالانقلابيين، وتدرج في المناصب القيادية الى ان عين رئيسا لهيئة الأركان- القائد العام للقوات المسلحة في مارس/ آذار 1985 مع تمديد فترة عمله بالجيش لمدة سنة حسب قرار رئيس الجمهورية وذلك حتى لا يشغل المنصب من بعده أحد اللواءين (تاج الدين عبدالله فضل أو عثمان عبد الله).
وقد نال سوار الذهب جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام (2003).
كما اختير شخصية العام الإسلامية في الدورة الرابعة عشرة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم(2010)، لجهوده الكبيرة والمعروفة في خدمة الإسلام والمسلمين في إفريقيا، وقال الدكتور سعيد عبدالله حارب نائب رئيس اللجنة المنظمة انذاك، إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وراعي الجائزة بارك هذا الاختيار، لما يتميز به المشير سوار الذهب من أعمال إنسانية عمت كثيراً من المسلمين وخدمت الدعوة الإسلامية. وذكر حارب أن من أهم هذه الأعمال: تشييد أكثر من 55 مدرسة ثانوية، و150 مدرسة ابتدائية ومتوسطة، وتشييد أكثر من ألفي مسجد في إفريقيا وشرق أوروبا، وحفر أكثر من ألف بئر للمياه، وحفر أكثر من عشر محطات للمياه في إفريقيا، وتشييد 14 مستشفى عاماً ومتخصصاً، وحوالي 800 مستوصف، و120 مركزاً للطفولة والتغذية ورعاية الأمومة والتحصين.
ونعى الأزهر الشريف، وإمامه الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، سوار الذهب عضو مجلس حكماء المسلمين.
وأكد الأزهر، في بيان، أن التاريخ سيظل يذكر المواقف الحكيمة والمشرفة للمشير سوار الذهب في التجرد لوطنه وأمته، وتسخيره عمره وجهده في العمل الإنساني والخيري، ونشر السلام والعمل علي إطفاء الحروب والنزاعات في أماكن مختلفة من العالم.
ونعى مجلس حكماء المسلمين إلى الأمة الإسلامية والعالم المشير سوار الذهب عضو المجلس.وقال المجلس في بيان: «إنه إذ ينعى فقيد الأمة والإنسانية فإنه يؤكد أن مواقفه التاريخية والوطنية وانحيازه الدائم للإنسانية وجهوده في عمل الخير وسعيه لنشر السلام والتصدي للقتل وإسالة الدماء ستظل علامة مضيئة في تاريخ الأمة الإسلامية والعالم».