ومع دوران عجلة التكنولوجيا وتسارعها، أبت حكومة الإمارات إلا أن يكون لها كلمة السبق في تحسين خدماتها، فطوعت التكنولوجيا؛ لتقديم خدمات «حكومة إلكترونية»، ونجحت في مساعيها، حتى أصبح المتعامل ينجز معظم معاملاته خلف جهاز الكمبيوتر الخاص به.
حكومة الإمارات لم تركن عند هذا النجاح؛ بل علمت بنظرتها الثاقبة أن أوجه الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة كثيرة، والحكومة الناجحة هي الأكثر قدرة على تقديم الخدمات طوال ساعات اليوم وعلى مدار الأسبوع، أو كما وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «الحكومة التي لا تنام»، فأغلقت قصة «الحكومة الإلكترونية»؛ لتكتب قصة نجاح جديدة عنوانها: «الحكومة الذكية»؛ حيث أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في الثاني والعشرين من مايو/أيار 2013، «مبادرة الحكومة الذكية»؛ من أجل توفير الخدمات للجمهور حيثما كانوا وعلى مدار الساعة.
وأعلن سموه حينها عن تطلعه إلى أن يرى حكومة تخدم المواطن على مدار الساعة، وأنه يريد حكومة تذهب إلى المواطن في كل الأوقات وفي أي مكان كان في العالم، قائلاً حينها: «نريد حكومة لا تنام، تعمل 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، 365 يوماً في السنة، مضيافة كالفنادق، سريعة في معاملاتها قوية في إجراءاتها، تستجيب بسرعة للمتغيرات، تبتكر حلولاً للتحديات، تسهل حياة الناس وتحقق لهم السعادة».
وحدد سموه حينها فترة زمنية مدتها عامان للجهات الحكومية؛ لإنجاز التحول إلى تقديم الخدمات الحكومية من خلال الأجهزة الذكية، وهو ما كان حيث أصبح بإمكان المتعامل إنجاز أي خدمة عبر هاتفه المحمول.
بعد نظرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وسعيه الدائم لتطوير الخدمات، كان مرتكزاً لإطلاق موجة جديدة من الخدمات، حملة عنوان: «الذكاء الاصطناعي»؛ حيث أطلق سموه في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017 استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، كأول مشروع ضخم ضمن مئوية الإمارات 2071، الذي يمثل الموجة الجديدة بعد الحكومة الذكية، بحيث ستعتمد عليها الخدمات والقطاعات والبنية التحتية المستقبلية في الدولة.
وتعد هذه الاستراتيجية الأولى من نوعها في المنطقة والعالم، للارتقاء بالأداء الحكومي وتسريع الإنجاز وخلق بيئات عمل مبدعة ومبتكرة ذات إنتاجية عالية؛ وذلك من خلال استثمار أحدث تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في شتى ميادين العمل بكفاءة رفيعة المستوى، واستثمار كافة الطاقات على النحو الأمثل واستغلال الموارد والإمكانات البشرية والمادية المتوافرة بطريقة خلّاقة تعجِّل تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية لبلوغ المستقبل.
وتعد «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي» الأولى من نوعها في المنطقة من حيث القطاعات التي تغطيها ونطاق الخدمات التي تشملها وتكاملية الرؤية المستقبلية التي تستشرفها؛ حيث تسعى في الأساس إلى تطوير وتنظيم أدوات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ بحيث تكون جزءاً لا يتجزأ من منظومة العمل الحكومي في الدولة، بما يسهم في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتحقيق تطور نوعي في الأداء العام على كافة المستويات؛ عبر بناء منظومة رقمية ذكية كاملة ومتصلة تتصدى للتحديات أولاً بأول وتقدم حلولاً عملية وسريعة، تتسم بالجودة والكفاءة.
وتــهدف «اسـتراتـيـجـيـة الإمـارات للذكاء الاصطناعي» إلى أن تكون حكومة الإمارات الأولى في العالم في استثمار الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاتها الحيوية، وخلق سوق جديدة واعدة في المنطقة ذات قيمة اقتصادية عالية، ودعم مبادرات القطاع الخاص وزيادة الإنتاجية، إضافة إلى بناء قاعدة قوية في مجال البحث والتطوير، وأن يتم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول عام 2031؛ بحيث يتعين على جميع الجهات الحكومية في الدولة اعتماد الذكاء الاصطناعي؛ وذلك بما ينسجم و«مئوية الإمارات 2071» الساعية إلى أن تكون دولة الإمارات الأفضل في كافة المجالات.
وتستهدف «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي» عدة قطاعات حيوية في الدولة؛ من بين هذه القطاعات: قطاع النقل من خلال تقليل الحوادث والتكاليف التشغيلية، وقطاع الصحة من خلال تقليل نسبة الأمراض المزمنة والخطرة، وقطاع الفضاء بإجراء التجارب الدقيقة وتقليل نسب الأخطاء المكلفة، وقطاع الطاقة المتجددة عبر إدارة المرافق والاستهلاك الذكي، وقطاع المياه عبر إجراء التحليل والدراسات الدقيقة لتوفير الموارد، وقطاع التكنولوجيا من خلال رفع نسبة الإنتاج والصرف العام، وقطاع التعليم من خلال التقليل من التكاليف وزيادة الرغبة في التعلم، وقطاع البيئة عبر زيادة نسبة التشجير وزراعة النباتات المناسبة.
إلى ذلك، فإن من شأن التطبيق الأمثل للذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي أن يساعد في وضع استراتيجية تنبؤية تساعد في تطوير آليات وقائية كالتنبؤ بالحوادث والازدحامات المرورية؛ بحيث يتم على ضوء ذلك، وضع سياسات مرورية أكثر فاعلية وكذلك يمكن للحكومة من خلال الذكاء الاصطناعي أن توفر نحو 50 في المئة من التكاليف السنوية للعمل الحكومي، سواء في ما يتعلق بخفض الهدر في عدد المعاملات الورقية أو توفير ملايين الساعات التي يتم إهدارها سنوياً في إنجاز هذه المعاملات، كما يعمل الاستثمار الكفؤ في الذكاء الاصطناعي على توفير تكاليف النقل، وخفض تكاليف إنجاز المشاريع، وتحقيق ارتفاع ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي.
خمسة محاور
وتــتـــألف «استـراتـيـجــية الإمارات للذكـاء الاصطناعي» من خمسة محاور عمل أساسية مترابطة فيما بينها، تشكل مراحل تطوير وبحث وإعداد وتطبيق تدريجي لتقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف مفاصل وشرايين العمل الحكومي في الدولة؛ وذلك على مدى جدول زمني محدد؛ حيث تسعى مخرجات هذه الاستراتيجية في الأساس إلى دعم الموظفين في القطاع الحكومي والخاص، وإتاحة المجال لهم لتوجيه طاقاتهم وقدارتهم في أعمال ومهام إبداعية وخلّاقة.
كما تشمل الاستراتيجية وضع وثيقة رسمية بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي بين البشر والآلة، ضمن إطار قانوني، وهي الوثيقة الحكومية الأولى من نوعها على مستوى العالم.
ويتمثل المحور الأول في «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي» في بناء فريق عمل الذكاء الاصطناعي، ويتضمن تشكيل مجلس الذكاء الاصطناعي للدولة، وإنشاء فرق عمل مع الرؤساء التنفيذيين للابتكار في الجهات الحكومية، وصياغة الخطط الاستراتيجية ونشرها في القمة العالمية للحكومات لعام 2018، ويعد هذا المحور مهماً؛ كونه يشكل القاعدة الأساسية، التي تُبنى عليها الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
ويتمثل المحور الثاني في التفعيل؛ من خلال العديد من البرامج والمبادرات من بينها تنظيم زيارات ميدانية للجهات الحكومية؛ لفهم قطاع الذكاء الاصطناعي، وتنظيم ودعم ورش العمل في جميع الجهات الحكومية حول الآليات التطبيقية للذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات العمل الحكومي، وتنظيم قمة عالمية سنوية، وإطلاق المسرعات الحكومية للذكاء الاصطناعي.
تطوير قدرات القيادات
أما المحور الثالث فهو تنمية القدرات، عبر تطوير قدرات القيادات الحكومية العليا في مجال الذكاء الاصطناعي، ورفع مهارات جميع الوظائف المتصلة بالتكنولوجيا، وتنظيم دورات تدريبية للموظفين الحكوميين في شتى القطاعات، إلى جانب تحديد نسبة من البرامج الدراسية للمبتعثين خارج الدولة لدراسة التخصصات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي؛ وذلك لتطوير قاعدة عريضة من الكوادر الحكومية المؤهلة في هذا المجال.
ويركز المحور الرابع على التطبيق؛ عبر توفير 100 في المئة من خدمات الخط الأول للجمهور من خلال الذكاء الاصطناعي، ودمج الذكاء الاصطناعي بنسبة 100 في المئة في الخدمات الطبية، ودمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الأمنية الخاصة بتحديد الهوية، وزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الوظائف الروتينية، كل ذلك بغية توفير الوقت والجهد وتعزيز الكفاءة الإنتاجية والحفاظ على الموارد البشرية والمادية دون هدر، ضمن رؤية طموحة تسعى إلى الاستثمار والاستغلال المطلق لكافة الطاقات والإمكانات، بحيث يصل الهدر إلى معدلات دنيا في كل قطاعات العمل الحكومي في الدولة.
إلى ذلك، يتناول المحور الخامس في الاستراتيجية القيادة، من خلال تعيين «المجلس الاستشاري للذكاء الاصطناعي»، وإصدار ونشر قانون حكومي بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي، وهو الأول من نوعه في المنطقة، وتنظيم سلسلة من المؤتمرات لضبط وتنظيم الذكاء الاصطناعي. كذلك يشمل هذا المحور تطوير أول وثيقة عالمية من نوعها بالتعاون مع الحكومات الرائدة في المجال نفسه؛ بحيث تحدد الضوابط والمعايير اللازمة؛ لضمان الاستخدام الآمن والسليم للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
سياسات وبرامج متطورة
وتشير المعطيات المتوافرة على أرض الواقع كما تترجمها مؤشرات التنمية إلى أن الإمارات من أكثر دول المنطقة استعداداً لتبني استراتيجية مستدامة للذكاء الاصطناعي، بفضل سياسات وبرامج عمل متطورة تكنولوجية اعتمدتها في العقدين الأخيرين تحديداً؛ فقد كانت الإمارات أول دولة في المنطقة تتبنى «الحكومة الإلكترونية»، ثم سرعان ما تم تحويلها إلى «الحكومة الذكية» في عام 2013، في سابقة في المنطقة أيضاً؛ وذلك انطلاقاً من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم؛ لإتاحة أفضل وأسرع الخدمات الحكومية للناس في الدولة بكفاءة وجودة عاليتين؛ بهدف إسعادهم والارتقاء بكافة جوانب العمل والحياة في الدولة.
وتشكل «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي»، استكمالاً للحكومة الذكية؛ لتحقيق تقدم ملمــوس فـي كــافة ميــادين العمل الحكومي، والارتقاء بالأداء على المستوى المؤسسي، أفقياً ورأسياً.
تطبيق الذكاء الاصطناعي الطبي
تعتزم شركة أبوظبي للخدمات الصحية «صحة»، تطبيق الذكاء الاصطناعي الطبي للمرة الأولى على مستوى الدولة والمنطقة، وبدأت في وضع استراتيجيات مستقبلية للذكاء الاصطناعي الطبي، وإطلاق منتجات عالمية في هذا المجال؛ لتصبح أبوظبي مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي الطبي والعلاجات عن بُعد؛ حيث يدخل الذكاء الاصطناعي في تشخيص وعلاج معظم الأمراض بطريقة ذكية وفق أعلى المعايير التقنية وأحدث الممارسات التكنولوجية، وسيشكل ثورة طبية في العلاج والتشخيص.
وتستعد شركة «صحة» لتطبيق الذكاء الاصطناعي واستخداماته بصورة شمولية في كل المجالات الطبية على مستوى جميع منشآتها؛ من خلال محاكاة العقل البشري؛ وتسخير التكنولوجيا في إنجاز المهام الطبية، وتطوير عملية التشخيص ومراقبة المرضى عن بُعد والجراحات الدقيقة، والاكتشاف المبكر للأمراض عامة وأمراض السرطان خاصة، وتحليل المعلومات الطبية وإعطاء النصائح لصنّاع القرار؛ لمساعدتهم في تحسين أو تطوير أو استحداث الخدمات ورسم التوقعات المستقبلية في مجالات مختلفة، ويمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في صنع سجل يساعد المتعاملين في تسهيل وسرعة إنجاز عمليات التسجيل، وأخذ المؤشرات الحيوية، والتواصل مع المريض بشكل مباشر عن طريق طرح الأسئلة والتعلم من الإجابات المقدمة من قبل المريض، واستحداث منتجات فريدة من نوعها.
قياس السعادة بـ«الذكاء»
أطلقت هيئة الطرق والمواصلات في دبي، مبادرة لقياس مؤشر السعادة لدى متعامليها؛ وذلك من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، محققة بذلك إنجازاً رائداً وخطوة جديدة في طريق جعل إمارة دبي الأذكى والأسعد بين مدن العالم.
المعدل العالمي
أبرزت نتائج دراسـة أجــرتـها «أكسنتشر للاستشارات الإدارية والاستراتيــجـية»، تفوّق استخدام المستهلكين في دولة الإمارات لتطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي بنسب مرتفعة على المعدّل الذي تم تسجيله في العديد من دول العالم؛ وذلك وفقاً لدراسة حديثة أجرتها «أكسنتشر».
«الشارقة إمارة آمنة»
أكدت القيادة العـامة لـشـرطة الشارقة استخدامها للذكاء الاصطناعي، في «مشروع الشارقة إمارة آمـــنة»؛ حيـث يعد المشروع منظومة متكاملة تعمل بحرفية عالية، فالأنظمة المستخدمة تقوم بالتحليل واستلام المعلومات، كما تقوم بعملية التنبيه والمراقبة، وهو ما يوفر العنصر البشري.
أول وزير للذكاء الاصطناعي
عيّنت دولة الإمارات أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي، في إطار تعديل وزاري أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله؛ حيث أتى تعيين عمر بن سلطان العلماء (27 عاماً) بالتزامن مع «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي»، التي أعلن عنها سموه؛ وهي الاستراتيجية الأولى من نوعها في المنطقة والعالم، وتهدف للارتقاء بالأداء الحكومي، وتسريع الإنجاز.
جائزة للروبوت والذكــاء الاصطناعــي
تهدف «جائزة الإمارات للروبوت والذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان» إلى تشجيع البحث واستخدامات الحلول المبتكرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات؛ من أجل التصدي للتحديات، التي تواجهها ثلاثة قطاعات رئيسية هي: الصحة، والتعليم، والخدمات الاجتماعية. كما تهدف الجائزة إلى رفع مستوى الوعي العام بالفرص الواعدة، التي توفرها هذه التطبيقات وبأهمية ترجمة الأفكار الإبداعية إلى واقع ملموس؛ بُغية تطوير الخدمات التي تقدمها حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
خمسة روبوتات ضمن كادر «ديــوا»
وظفت هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا)، خمسة روبوتات كموظفين فعليين ضمن كادرها؛ وذلك ضمن سعيها للوصول إلى تقديم خدمات نوعية من فئة «سبع نجوم» في مراكز إسعاد المتعاملين؛ بهدف جعلها مراكز للإبداع والتطوير؛ حيث تحمل الروبوتات رقماً وظيفياً.
وتأتي هذه المبادرة، بعد إطلاق سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، «مركز المستقبل لإسعاد المتعاملين» التابع للهيئة، الذي يعدّ أول مركز ذكي متكامل في دبي لإسعاد المتعاملين.
