حينما تَرِدُ مكالمة هاتفية من رقم مميز، يخبرك المتصل بأنك «ربحت جائزة»، فإن الكثيرين ينتبهون لتلك المكالمة على أنها محاولة للنصب والاحتيال، ومنهم من يغلق الهاتف في وجه المتحدث، ومنهم من يستمع إلى نهاية المحادثة ويتجاهلها في النهاية، إلا أن هنالك من يقعون فريسة لتلك المكالمات ويصدقونها، ويبنون عليها أحلاماً وردية؛ باعتبارها مخرجاً لظروفهم القاسية، التي يعيشونها، ويمكن لهذه المكالمة أن تختصر لهم الطريق الطويل في الحصول على المال؛ لذلك يستجيبون لتلك المكالمة، ويتبعون الخطوات، التي تُطلب منهم، ويدلون بمعلوماتهم الشخصية؛ مثل: الاسم والعنوان، ويصل بهم الأمر إلى الكشف عن حساباتهم المصرفية، وكأنهم سحروا بتلك المكالمة، وفجأة يستيقظون على كارثة كبرى؛ عندما يحاولون الوصول إلى الجهة المتصلة، دون أن يجدوا أي رد، وعندما يقومون بمراجعة حساباتهم يكتشفون أن رصيدهم المصرفي قد تم سحبه من أشخاص مجهولين.
ومن بين تلك القصص، استجابة إحدى الفتيات على مكالمة من مجهول أخبرها بأنه يتبع لمؤسسة تجارية، وقد ربحت مبلغ 200 ألف درهم، وطلب منها رقم حسابها المصرفي؛ لتحويل المبلغ، وبالفعل سلّمته الحساب، وبعد فترة اتصل بها وأخبرها بأنه لم يتمكن من تحويل الجائزة، وطلب منها مبلغاً محدداً؛ لكي تتم عملية التحويل.
واستجابت الفتاة لطلب الشخص المجهول، وقامت بتحويل المبلغ المالي؛ عبر إحدى الصرافات باسم شريكه في العملية، الذي قام بصرف المبلغ المالي من الصرافة، واختفى بعدها، وحاولت الاتصال على المتهمين؛ لتعرف مصير الجائزة ولكن جميع محاولاتها فشلت في الاتصال بهم؛ بعد أن وجدت أنهما قاما بإغلاق الهاتف، كما اكتشفت أنها وقعت فريسة لاحتيال من قبل مجهولين، وأبلغت الشرطة وتمكنت شرطة خورفكان من الوصول إلى المتهم الثاني، الذي قام بصرف المبلغ المالي بواسطة الهوية، وألقت القبض عليه، وتم تقديمه للمحاكمة.
وفي قضية أخرى بمحكمة خورفكان، وقعت إحدى السيدات فريسة لشبكة الجوائز الوهمية؛ بعد أن ورد إليها اتصال ورقم يشابه إحدى شركات الاتصالات، وردت على المكالمة بكل اطمئنان وأخبرها المتكلم قائلاً لها: «لقد ربحت الجائزة»، وطلب تحميل تطبيق إلكتروني على جوالها لاستلامها، وبعد تنزيلها التطبيق وقعت في مصيدة الشبكة الوهمية، التي استطاعت أن تستحوذ على أرقامها السرية لحسابها المصرفي.
وسحب أعضاء الشبكة المبالغ المالية، التي تخص السيدة بدون بطاقة الصراف الآلي؛ بعد أن تمكنوا من معرفة الرقم السري، وعندما قامت السيدة بمراجعة رصيدها تفاجأت بأن هنالك مبالغ مالية تم سحبها، وأبلغت الشرطة وألقيّ القبض على أعضاء الشبكة؛ حيث أدانتهما المحكمة بالسجن لمدة عام وبغرامة وصلت إلى مليون درهم.
وفي قضية ثالثة، تمكنت إدارة شرطة المنطقة الشرقية من إلقاء القبض على آسيويين والتعميم على الباقين المتواجدين خارج الدولة، بتهمة تشكيل شبكة للاحتيال على الأفراد؛ من خلال أجهزة الهاتف النقال، وكانت العصابة تقوم بتكليف أحد أفرادها بالاتصال بضحاياهم وإيهامهم بأنه من موظفي إحدى شركات الاتصالات بالدولة، ويخبرهم بالفوز بجائزة مالية ضخمة، واستأجروا شقة في إحدى إمارات الدولة، اتخذوها مقراً لشبكة الاحتيال، واستخدموا عدداً كبيراً من الهواتف والبطاقات التي تحتوي على عدد من أرقام الهواتف في الاتصال بأفراد الجمهور؛ للاحتيال عليهم، والحصول على مبالغ مالية منهم عن طريق الغش والتدليس.
وتمكنت الشرطة في أبوظبي من القبض على 10 أشخاص من الجنسية الآسيوية؛ بعد أن استولوا على مال غيرهم بطرق احتيالية، مستغلين العروض الترويجية لأحد مزودي الخدمات الهاتفية، وإيهام الضحايا بفوزهم بجوائز نقدية؛ لكي يقوموا بتحويل مبالغ مالية عبر شركات الصرافة أو من خلال الأرصدة الهاتفية كرسوم لاستلام الجوائز الوهمية.
وكان مركز شرطة الرحبة قد تلقى بلاغات من أشخاص تفيد بأنهم وقعوا ضحايا لعمليات احتيال هاتفي استنزفت مدخراتهم بإغراءات وهمية، وعلى ضوء ذلك تم تشكيل فريق أمني تمكن من إلقاء القبض عليهم، وشملت الضبطية ضبط العديد من الوثائق المزورة والأجهزة والأدوات المستخدمة، فضلاً عن الهواتف والبطاقات المستخدمة في عمليات الاحتيال.
عقوبات رادعة
تناول عدد من الخبراء القانونيين التكييف القانوني والأسباب والدوافع التي تجعل تلك الشبكات الإجرامية تمارس عملها وتصطاد ضحاياها بكل سهولة؛ حيث تؤكد المحامية والمستشارة القانونية آمنة الشحي، أنه قد تعددت في الآونة الأخيرة طرق النصب والاحتيال على الناس بشكل لافت، مع انزلاق بعض النفوس في طريق الانحلال الخُلقي والمهاوي الأمارة بالسوء، وأن نسبة كبيرة تستهين بهذه الجريمة ولا تذهب بدعواها إلى الجهات القضائية بصفة عامة، تحاشياً للإجراءات وقلة المردود أو الفائدة منها، فالكثير منهم لا يذهبون إلى الجهات المعنية لأنهم يعتقدون أن الإجراءات طويلة، خاصة إذا كانت الخسارة المالية التي تكبدتها الضحية كبيرة.
وأوضحت أن عمليات النصب موجودة منذ القدم؛ لكنها تطورت في الفترة الأخيرة؛ بسبب التطور التكنولوجي، ويستغل أولئك عدم وعي المجني عليه وإيهامه بأنه كسب مبلغاً كبيراً من المال، كما أن الجناة استحدثوا بعض الطرق لخداع ضحاياهم؛ حيث يقوم المجني عليه بإعطائهم الأموال المطلوبة؛ طمعاً في زيادة الثروة ثم بعد ذلك يكتشف المجني عليه أنه ضحية للنصب والاحتيال، وترجع الأسباب إلى قلة الوعي القانوني عند الضحية؛ لعدم الدراسة والتثقيف القانوني.
أضافت الشحي: من الناحية القانونية فقد جاءت المادة 399 من قانون العقوبات الاتحادي والتي تنص على أن يُعاقب بالحبس أو الغرامة كل من توصل إلى الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال منقول أو سند أو توقيع هذا السند أو إلغائه أو إتلافه أو تعديله؛ وذلك بالاستعانة بطريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة متى كان من شأن ذلك خداع المجني عليه وحمله على التسليم، ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من قام بالتصرف في عقار أو منقول يعلم أنه غير مملوك له أو ليس له حق التصرف فيه أو التصرف في شيء من ذلك مع علمه بسبق تصرفه فيه أو التعاقد عليه وكان من شأن ذلك الإضرار بغيره، مشيرة إلى أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أصدر مرسوماً بقانون رقم 5 لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات؛ للحد من تلك الظاهرة، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه ذلك الفعل أو التفكير به.
ويوضح المحامي والمستشار القانوني أحمد سلطان الحنطوبي، أن هذه الظاهرة تتنوع فيها الرسائل من ناحية الصيغة والشكل؛ ولكن هدفها النهائي واحد؛ وهو استدراج الضحايا إلى مصيدة النصب، التي لا يجني من وقع فيها سوى الخسارة والندم؛ لكن بعد فوات الأوان، فقد تأتي الرسالة الاحتيالية في شكل جائزة مغرية جاءت من جهة معلومة ومشهورة أو شيك مسجل باسم الضحية في انتظار تحويله إلى حسابك المصرفي، بعد أن تدفع رسوم التحويل أو جائزة يانصيب كبرى فزت بها بعد أن وقع الاختيار على رقم هاتفك أو عنوان بريدك الإلكتروني، وتبدأ تلك الرسائل برسم صورة وردية للحالمين بالثراء السريع، الذين يؤمنون بأن «السماء تمطر ذهباً» ثم تستدرجهم بعد ذلك ليقعوا في الفخ.
ويضيف أن الجريمة في تلك القضايا لديها عدة أركان وهي اتفاق مجموعة من الأفراد على تكوين شبكة واستخدام وسائل متاحة لدى الجميع، ويمكن أن ينخدع بها الكثير من الناس وكمثال على ذلك الهاتف و«الواتساب» وغيرها من الوسائل الإلكترونية، والعنصر الثالث اجتماع أولئك الأفراد على تنفيذ جريمتهم وهذه الأركان تمكن العصابات الإجرامية من تحديد أهدافها بدقة؛ من خلال تبادل الأفكار والأدوار، وتوزيع المهام، ما يجعل تنفيذ جريمتهم ناجحة، وتمكنهم من الهروب والاختفاء.
ضحايا مذنبون
أما المحامي والمستشار القانوني سعيد مبارك الزحمي، فقد أرجع أسباب انتشار تلك الجرائم إلى عدم الوعي لدى الكثيرين بالأنظمة والقوانين في الدولة، ما يجعلهم عرضة للنصب والاحتيال كما أن العديد من الناس يطمعون في الحصول على المال دون أن يبذلوا الجهد والعرق، ولهذا يجدون تلك الوسائل سهلة في الكسب، ومنهم من يسعى إليها ويدخل فيها ويواظب عليها وبالتالي في حال وردت إليه مكالمة هاتفية بالفوز بجائزة تجده أسرع الناس استجابة لتلك المكالمات.
ودعا إلى الإسراع في محاكمة المحتالين، الذين يتم القبض عليهم، وتثبت التهم في مواجهتهم.
ويوضح الدكتور أيمن محمد زين المحاضر في كلية القانون بجامعة الشارقة، أن عملية الاحتيال الإلكتروني واحدة من أهم الجرائم ذائعة الصيت في الآونة الأخيرة، وهي تحصل نتيجة (وعد) يتلقاه الفرد عن طريق الاتصال الهاتفي أو البريد الإلكتروني؛ للحصول على (جائزة) وهمية في الأصل، ويحاول فيها الجناة اختيار فريستهم بدقة وهم من أصحاب الطموحات المتسارعة أو الأشخاص الذين لهم عوذ بائن للمال لأي سبب من الأسباب، ويتمتع الجاني في الغالب بقدرات عالية في مجال استعمال تقنية المعلومات، إضافة إلى الذكاء الحاد في التعاطي مع الضحية؛ بغية إقناعه بأي طريقة لضرورة إرسال جزء من ماله؛ توطئة لتسليمه الجائزة النقدية أو العينية المتوهمة.
ويبين أن المشرع الإماراتي وضع لتلك الجرائم عقوبات رادعة فجريمة الاحتيال الإلكتروني عاقب بها المشرع الإماراتي بموجب المادة 11 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات النافذ لسنة 2012 بالحبس لمدة لا تقل عن سنة واحدة والغرامة التي لا تقل عن مئتين وخمسين ألف درهم ولا تتجاوز المليون درهم أو بإحدى العقوبتين معاً.
اختراق أمني تقني
وتحدث المهندس محمد مرتضي عبد الرحمن المتخصص في تقنية المعلومات شارحاً أهمية تأمين وحماية المعلومات والبيانات الشخصية المتداولة عبر شبكة الإنترنت من العبث والتخريب والتبديل، أو من أي خطر يهددها مثل وصول أي شخص غير مخول للوصول إليها والعبث ببياناتها والإطلاع عليها؛ وذلك من خلال توفير الوسائل والطرق اللازمة لحمايتها من المخاطر الداخليّة والخارجيّة، مشيراً إلى أن موضوع أمن المعلومات زادت الحاجة والطلب عليه مع انتشار استخدام الإنترنت والاعتماد عليه في كافة مجالات الحياة، ما تطلب نقل البيانات والمعلومات عبر الشبكات المتعددة، كما أتاح انتشار شبكات التواصل الاجتماعي الحاجة الملحّة لذلك.
إبقاء المعلومات آمنة
تقدم الدكتور وليد مقابله الأستاذ المساعد بكلية تكنولوجيا المعلومات بجامعة الفجيرة، بعدد من الموجهات والنصائح حول أهمية الحفاظ على سرية المعلومات والحسابات الشخصية قائلاً: «يجب أخذ الحيطة والحذر في التعامل مع عصابات المكالمات الهاتفية، وألّا ننقاد وراء المكاسب الوهمية الكاذبة، ويجب إبقاء معلوماتنا آمنة، ويجب أن نحافظ على خصوصيتها فمثلاً يترتب علينا أن نقوم بتغيير الكلمات السرية وكلمات المرور الخاصة بمختلف الحسابات الخاصة بنا بشكل دوري ومستمر».
ويواصل حديثه «ننصح أيضاً ألّا نفصح عن أي معلومات خاصة بمعاملاتنا المالية لأي كان، وفي مجال الاتصالات الهاتفية يجب أن نكون حذرين من الاتصالات الهاتفية الواردة من أرقام لا نعرفها، مشيراً إلى أن التقدم التكنولوجي الهدف منه هو تطوير حياة البشر إلا أننا لا يجب أن نغفل عن ضعاف النفوس الذين يمتهنون إيذاء الآخرين، وفي أي لحظة من الممكن أن تتعرض لأن تكون ضحية لتلك المجموعات فعليك مباشرة اللجوء إلى الجهات الأمنية المختصة».