المخدرات طريق إلى الهلاك، لأنها تتسبب بانهيار أسر وأفراد وحتى مجتمعات، فالطريق يبدأ بخطوة سواء بدافع التجربة أوالهروب المؤقت من بعض الضغوط، ليجد الشخص نفسه مدمناً ومصيره خلف القضبان، فالمؤسسات الإصلاحية والعقابية، تعجّ بالمدمنين، وداخل أروقة المحاكم أوراق إحالة لا تعد لقضايا متهم فيها أشخاص وقعوا في قبضة العدالة لإدمانهم على تلك السموم.
ولتبقى دولة الإمارات خالية من هذه الآفة، تبذل الجهات الأمنية في الدولة جهوداً كبيرة لملاحقة مدمني المخدرات ومروجيها وضبطهم، لما لها من أثر سلبي ونتائج وخيمة؛ فالقوانين تشدد على ملاحقة كل من تسول له نفسه الترويج لها أو الإدمان عليها، ولم يقتصر اهتمام تلك القوانين على حظر حيازة المخدرات والمؤثرات العقلية وترويجها أو تعاطيها فحسب، بل جاءت التعديلات الأخيرة في قانون مكافحة المخدرات، بإجراءات تسهم في معالجة المدمنين، وعودتهم إلى أحضان أسرهم والمجتمع مرة أخرى معافين، يستطيعون متابعة العمل ومواصلة العطاء.
ويرى متخصصون أن هذه التعديلات جاءت لمصلحة الفرد والمجتمع، فتعامل المجتمع مع المدمن يختلف عن معاملته مريضاً، فمدمن المخدرات شخص منبوذ في المجتمع، ولذلك جاءت هذه التعديلات لمعاملته كمريض يمكن علاجه، وإعادة تأهيله ودمجه في المجتمع.
أكد المحامي زايد الشامسي، أن المشرع الإماراتي عندما غير المسمى من مجرم أو متهم إلى مريض، فإنه ينظر إليه نظرة تحفظ سمعته وكرامته وكيانه ومستقبله، فعدّه مريضاً وليس مجرماً، أتاح له الفرصة الكبرى للاندماج في المجتمع، وأن يكون عنصراً فاعلاً فيه، وتصبح النظرة إليه نظرة إيجابية، والنظر إليه كمدمن قد ينعكس سلباً عليه وعلى المجتمع، كأن يعود إلى الإدمان أو يرتكب جرائم أخرى، لذلك كان القرار حكيماً بالتعامل معه كمريض، ويخضع للعلاج، ليشفى، ويعود إلى المجتمع.
من جانبه أكد المحامي محمد الغفلي أن القانون عندما وضع عقوبة على الجرائم المرتكبة كان يهدف بشكل أساسي لحماية الفرد من الوقوع فيها، وليس الهدف منها تقييد حرية البشر أو سلبهم أموالهم، فعندما يعلم الفرد بأن هناك عقوبة محددة قد تطال حريته أو ماله، عندها سوف يتردد في ارتكاب الجرائم، وبالتالي المحافظة على نفسه وماله، ونجد أن قانون مكافحة جرائم المواد المخدرة وتعديلاته الأخيرة، قد أعطت المتهم مركزاً أفضل مما سبق، فالمدمن هو في الأساس مريض يحتاج للعلاج، وقام المشرع الإماراتي بمعاملة المتهم المدمن كالمريض، ووضع تدبيراً علاجياً له، بدلاً من عقابه وتقييد حريته بحبسه أو بسجنه وأعطى هذه الصلاحية للنائب العام، ووقاه التعرض للحبس وانتظار المحاكمة، لأن حبس وسجن المدمنين قد يضر بهم وبأسرهم والمجتمع، وفِي الغالب يتعرف إلى مجرمين داخل السجن ويخرج بعد تنفيذ العقوبة أكثر خبرة وحرفية في جرائم المواد المخدرة، كما أن مستقبل الشاب ينتهي بتوقيع عقوبة الحبس أو السجن في حقه، ويصبح من أصحاب السوابق، وقد يخسر عمله ومصدر دخله ومعيشته هو وأسرته، وهذا التعديل أتاح الفرصة أمام هذا المتعاطي لأن يتلقى العلاج ويعود للمجتمع فاعلاً بكل إيجابية.
وحدات متخصصة للعلاج
المحامي إبراهيم الحوسني قال: «لقد تعامل التعديل الأخير من قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية مع المتعاطين، ومن يقبض عليهم للمرة الأولى، على أنهم مرضى يحتاجون إلى العلاج وليسوا مجرمين ينالهم العقاب، وهذه التعديلات كان لها الأثر الجيد في نفوس أفراد المجتمع والأسر، وستعطي فرصة كبيرة لتأهيل المتعاطين وعلاجهم».
وتتخذ نيابة المخدرات التابعة للنيابة العامة في دبي، إجراءات القانون الأصلح للمتهم المحكوم عليه في تعاطي المخدرات، وفقاً للتعديلات الأخيرة لقانون المخدرات، والعرض على المحكمة للمطالبة بتخفيف الأحكام، حسب ما وجه به المستشار عصام عيسى الحميدان، النائب العام. كما تدرس نيابة المخدرات جميع الأحكام الصادرة في قضايا التعاطي، التي كانت تعد من جرائم الجنايات، تمهيداً لإعادة عرضها على المحكمة التي أصدرت الحكم للنظر في تطبيق القانون الجديد، لأنه الأصلح للمحكوم عليهم، بعد أن أصبحت هذه الجرائم جنحاً، وليست جنايات، حتى يستفيد المحكوم عليهم من تخفيف العقوبة المحكوم بها، عملاً بالمادة (13) من قانون العقوبات لدولة الإمارات.
كما بدأت محكمة الشارقة الشرعية منذ تطبيق القانون، بإحالة كل قضايا التعاطي والمدانين من الجنايات إلى الجنح، لعدم معاملتهم كمجرمين، وإنما مرضى، حيث شهدت الكثير من القضايا حضر أصحابها في قفص الاتهام بمحكمة الجنايات وأخبرهم القاضي، بأنه وبناء على القانون الجديد، أحيلت قضاياهم إلى محكمة الجنح.
ويتضمن القانون الجديد بعد التعديل، أن تنشئ وزارة الصحة ووقاية المجتمع، وحدات متخصصة لعلاج المدمنين ورعايتهم وتأهيلهم.
المرسوم بقانون اتحادي رقم (8) لسنة 2016، بتعديل بعض أحكام القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 1995 في شأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، الذي أصدره صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، منح النائب العام، الحق في أن يحيل المتهمين في جرائم تعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية، بناءً على تقرير جهة الضبط، أو رئيس النيابة المختص، إلى جهة العلاج، دون سجنهم، ولا تقام الدعوى الجزائية على من يجتاز برنامج العلاج.
وأقر القانون إنشاء وحدات متخصصة لعلاج المدمنين ورعايتهم وتأهيلهم، تتبع وزارة الصحة ووقاية المجتمع، ومنح صفة مأموري الضبط القضائي لبعض موظفي وزارتي الصحة ووقاية المجتمع والتغير المناخي والبيئة، وموظفي الهيئة الاتحادية للجمارك ودوائر الجمارك، فيما يتعلق بتنفيذ هذا القانون.
وأقر القانون، أنه لا تقام الدعوى الجزائية على متعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، إذا تقدم المتعاطي من تلقاء نفسه أو زوجه أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية إلى وحدة الإدمان أو النيابة العامة أو الشرطة، طالبين إيداعه للعلاج لدى الوحدة، فيودع لديها إلى أن تقرر الوحدة إخراجه.
كما تأمر المحكمة، بعد أخذ رأي النيابة العامة، بإخراج المحكوم عليه من الوحدة أو من مركز التأهيل في الحالتين الآتيتين: إذا تبين من التقرير أن حالته الصحية تسمح بذلك، وبناءً على طلبه بعد موافقة اللجنة المشرفة، وفي جميع الأحوال لا يجوز أن تزيد مدة الإيداع للعلاج أو التأهيل على سنتين.
وحسب التعديلات الأخيرة التي طرأت على قانون مكافحة المخدرات، فإن المشرع خفض العقوبة من السجن مدة لا تقل عن أربع سنوات إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين، كما خفض العقوبة من الحبس لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، إلى الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين، في المواد المدرجة في الجداول، أما عقوبة من تعاطى مواد من شأنها إحداث التخدير أو أي أثر ضار بالعقل، وليست مدرجة بالجداول، فقد نزل بها المشرع من «الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات»، لتصبح «الحبس مدة لا تزيد على سنة»، كما أباحت التعديلات أن تقضي المحكمة على المتعاطي، بدلاً من تلك العقوبات، بالغرامة التي لا تتجاوز 10 آلاف درهم.
العودة إلى الحياة الطبيعية
تحدث شاب مواطن عن تجربته في الإدمان على المخدرات، بعد أن مشى خلف أصدقاء السوء، وأدمن على تلك السموم، وبسببها خسر مكانه بين أسرته ومجتمعه ووظيفته، إلا أنه قرر العودة إلى الحياة الطبيعية والتخلص منها، وبدأ رحلة التأهيل، حتى تعافى تماماً، ثم عاد إلى أسرته ومجتمعه، وحصل على وظيفة في إحدى الدوائر الحكومية في أبوظبي، وبات الآن محباً لعمله، مبدعاً فيه، وطموحاً يسعى بكل جد واجتهاد ليقدم الكثير إلى نفسه ومجتمعه، حيث إن المخدرات طريق للهلاك، لكن العودة ممكنة بالتحدي والإصرار.