الشارقة: علاء الدين محمود

في روايتها «غواصو الأحقاف»، الصادرة عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع 2016، والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2019، تأخذنا الكاتبة السعودية أمل الفاران، إلى عوالم شديدة الحميمية، وتستحضر أزمنة مضت، حيث الصحراء وعوالمها الغريبة والأسطورية، وقصصها وحكايتها التي تبرز فرادة إنسانها، فهي كتابة أشبه بتوثيق الحياة لمرحلة ما قبل النفط في الخليج العربي، وعالم الغوص وأسراره بسرد بارع، ولغة رائعة مالت فيها الكاتبة نحو صناعة الصور المشهدية لتخلق تفاصيل رواية مختلفة تماماً، تناولت فيها حقباً تاريخية وعلاقات اجتماعية وأسراً وشخصيات سكنت الصحراء، وحكت عن كيف كان الناس يقضون أوقاتهم في السمر والأفراح والأتراح والخوف والجوع، بل حتى الحروب وأبطالها وضحاياها وما أنتجته من مرويات خلدها التاريخ، وقصص العشق والحب والقيم والأخلاق التي سادت، وتلتقط الرواية في إحكام شديد حكايات الأساطير والغرائبيات، خاصة أساطير «كثبان الأحقاف» بممالكها البائدة من إنس وجنّ، لتنسج منها سرداً شيقاً يشبه جمال الصحراء.

ونجحت الكاتبة في استنطاق المكان في تجربة سردية استخدمت فيها عدداً من تقنيات الرواية الحديثة، حيث استطاعت تمرير تلك العوالم بلغة أقرب إلى الشاعرية، وبرعت في وصف الأحداث وتوظيف الشخوص والمكان، وهو الأمر الذي لفت انتباه كثير من النقاد إلى الرواية فاعتبروها نقلة في عالم السرد السعودي، بل إن بعض النقاد قارنوا بينها وأدباء كبار برعوا في الكتابة عن الصحراء مثل عبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني، وذلك من حيث الصناعة الجمالية والسرد الذي يغوص عميقاً في تفاصيل المكان، ويطل العمل كذلك بصورة خاصة على عوالم المرأة في تلك الأزمنة.

الرواية وجدت صدىً كبيراً في المواقع القرائية المتخصصة، وأشاد كثير من القراء بجودة العمل وحبكته القوية، ويشير أحد القراء إلى فرادة العنوان كعتبة نصية مهمة ويقول: «العنوان بديع وبدأ محملاً بشيء من الفنتازيا، وبالحمولة التاريخية للأحقاف - موطن قوم عاد - وبفكرة امتهان بعض أهل الخليج للغوص في مواسم البحث عن اللؤلؤ قبيل ظهور النفط»، فيما يتناول قارئ آخر المقدرة الوصفية الهائلة للكاتبة، ويقول: «الوصف هو كلمة السر في الرواية، خاصة وصف الرمل والنخل واستخدام الكنايات والتشبيهات المجازية ونحت الصور البلاغية واستخدام التعبيرات المجازية»، بينما تتوقف قارئة عند جماليات السرد وخلود شخصيات العمل، فتقول: «بلغة الكاتبة الغنية وسردها الساحر، سوف تعبر الصفحات الأولى بهدوء حتى تخطفك الدهشة وتبقى في حالتك هذه لا تحيد عنها حتى تسدل ستارة النهاية، هي أوديسة الصحراء، بعثت أساطير البدو، وبنفس عميق وقلم ناضج، ترصد الكاتبة روائح الأصالة وموارد الشوق التي يهفو إليها غواصو الأحقاف والتوق إلى ما كان بعيداً، فالغوص هنا ليس في بحار، بل غوص في الذاكرة، بل ربما غوص في الأنفس المتأرجحة في بلدة العقيق بين الخير والشر، والصواب والضلال».

ويشير قارئ إلى حضور المرأة بشكل مختلف في الرواية، ويقول: «تعودنا أن يكون ذكر النساء في قصص البادية بشكل سلبي وخاضع لهيمنة الذكر، لكن في هذه الرواية يتغزل الأخ بقوة أخته، يفخر الجار بحكمة جارته، لقد استطاعت الكاتبة أن تظهر جوانب خفية عن دور النساء في بيئة الصحراء»، ويتوقف قارئ عند أسلوبية الكاتبة وأجواء الرواية، فيقول: «بأسلوب رشيق وشيق، تأخذك أمل الفاران إلى واحة العقيق، إلى النخيل والماء وقسوة الصحراء حيث تجتمع قبائل آل هذال وآل فواز وآل بنيان، تعاهدوا تحت الشجرة» مريفة «في الصباح وأغاروا على بعضهم في المساء، رواية مدهشة وأحداث مُلفتة تجعل من قارئ الرواية يعيش الشخصيات كأنه يشاهد عملاً سينمائياً، ويسترجع روايات الراحل عبدالرحمن منيف».

وعلى الرغم من الإشادة الواسعة التي وجدتها الرواية، إلا أن البعض قد أخذ عليها بعض الأشياء، مثل الإسهاب في الوصف والمبالغة في رسم الصور البلاغية، والخلط بين اللغة العامية والفصحى.