الشارقة: علاء الدين محمود

ينتمي الكاتب المسرحي الإيرلندي صمويل بيكيت «1906- 1989»، إلى مسرح العبث، تلك المدرسة التي أحدثت انقلاباً كبيراً في المسرح عبر القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي عالجتها من منظور فلسفي غلب عليه طابع العدمية. ينهل معظم كتاب مسرح العبث من الأفكار الفلسفية التي أسس لها كل من شوبنهاور ونيتشة وغيرهما، كما يأخذون من هيجل مفهوم «الاغتراب»، وتتسم أعمال بيكيت بالبساطة والجوهرية، والعمق الفلسفي في ذات الوقت، فهو في معظم أعماله يتناول الإنسان وما يحيط به من مشاكل وأزمات، ويميل في ذلك التناول إلى التشاؤم، أو ما يطلق عليه «السخرية السوداء».

تعتبر مسرحية «في انتظار جودو» أهم أعمال بيكيت المسرحية، وأكثرها شهرة وانتشاراً، وتحتشد بالمواقف الإنسانية والفكرية التي تنساب بلطف ويسر في متن النص المسرحي، فتثري العرض وتجعل المشاهد في حالة ترقب؛ أي في لحظات انتظار، فهو سيد الموقف ولا شيء غيره، والمسرحية تجعل الجمهور يتفاعل معها وتجذبه؛ لأنها تعمل على عكس الواقع الإنساني بشكل صادق ومجرد من الرتوش، تقدمه بشكل أمين، فتطل على مشاكل العصر وموقع الإنسان منها، جراء ما أحدثته الحرب العالمية الثانية، حيث التشرد والضياع والعزلة والعجرعن التواصل مع الآخرين، مما يكرس لحياة فردية قاحلة في مشاعرها الإنسانية، وهي ذات الحياة التي يعيشها الإنسان المعاصر في مرحلة ما بعد العولمة؛ لذلك يجد مسرح العبث مشروعية حضوره في هذا العصر، حيث الوحشة وحياة الاستهلاك، وسيادة السخرية وروح التهكم.

يتحدث العرض عن شخصيات تعيش في الهامش، منعزلة، يغيب عن سمائها أي أمل إلا من عودة شخص يدعى «جودو»، لكي يغير حياتها إلى الأفضل، ويبدل مخاوفهم أمناً وطمأنينة، يمضي العرض وهو حافل بالترقب والحذر والانفعال والأمل، انتظار بلا طائل فلا شيء سوف يحدث، ولن يشعر الجمهور بأية نهاية للعرض؛ لأنه في الأصل يعتمد على فكرة اللانهاية، ويأخذ من معطيات الحياة والوجود، من ثنائية الفوضى والعبث، أثارت الشخصيَّات مع حبكة القصة، كثيراً من الجدل حول المعاني الخفيَّة؛ إذ تعتمد المسرحية على الرموز الدينيَّة المسيحيَّة وعلى التراثِ الكلاسيكيِّ الغَربي، وتتحرك على الخشبة بطريقة هي الأخرى عبثية، فلا توجد علاقات بينها، ولا أفكار أو مشاعر. تعتمد المسرحية على المفارقات والحوارات القصيرة والجمل المقتضبة، وأحياناً الهمهمات غير المفهومة، ولا شيء يربط بين الكلمات كما هو الحال في حوار العبث، فأجواء العرض عملت على تمثل ما يجري في الواقع؛ حيث الانتظار العبثي هو الوحيد الذي يجمع بين هؤلاء جميعا.

من الناحية الفكرية، الانتظار هو ضرب من المواجهة الكسولة لمشاكل الواقع وتعقيداته، حالة استسلام معلن من قبل الناس الذين يعوضون فكرة الاستسلام القاسية بفكرة الانتظار، يسلون أنفسهم بأن أمراً ما سيحدث، ليستمر مسلسل الحياة خالياً من المعنى، مع وجود أشخاص مستسلمين لواقعهم، وآخرين تتملكهم الرغبة في الانتحار لكنهم عاجزون عن الإقدام عليه، بالتالي يقبلون حياتهم وواقعهم، ويجعلون الزمن يمضي فربما يحمل جديداً هو «جودو»، أو كما يقول بيكيت: «في فعل الانتظار نجرّب مرور الزمن في شكله الأنقى»، فبيكيت نفسه لا يدري من هو جودو وكيف سيعود ومن أين؟.

لعبة مفضلة

تدور أحداث المسرحية في فصلين، لا جديد فيهما، فبيكيت يمارس لعبته المفضلة في مغالطة ولع الناس بالجديد، فالديكور فقير، ويقوم على طريق ليس فيه غير شجرة يابسة، تشير إلى بؤس الإنسان وعذابه المستمر، وتحت الشجرة التي لا ظل لها يتكئ كل من «ستراجون»، و«فلاديمير»، يتواصلان مع بعضهما عبر ثرثرة غير مفهومة عن «جودو»، الذي لن يأتي، وهو نقاش غير مثمر؛ إذ إن الشخصيتين مختلفتان، فستراجون شخص لا يهتم إلا بالطعام والنوم، وغالباً ما يتعرض للاعتداء والضرب أثناء الليل من قبل أشخاص لا يعرفهم، أما فلادمير فهو يميل نحو التفكير والتأمل في الأشياء، فعقله في نشاط دائم، وقد ظلا على هذه الحالة ردحاً من الزمان، وفكرا كثيراً أن ينفصلا عن بعضهما، غير أنهما فشلا في ذلك، كما أن هنالك شيئاً مهماً يجمعهما، رغم تلك الفروقات الكبيرة في تكوينهما الشخصي، فهما في انتظار من يخلصهما من عذاباتهما، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الشخوص، فمنهم من ينتظر، ومنهم من يفكر في الانتحار فيعجز، وهكذا يستمر العرض وفق هذه السيولة، فلا توجد حبكة كما في المسرح المعروف، كما أن الأفكار والأحداث غير منطقية، ولا تأتي وفق التسلسل المعروف، كما يغيب الصراع، والحوار مبتور دائماً، وتلك هي سمات مسرح العبث، الذي تمرد على القالب الأرسطي القديم، الذي يعلي من شأن المنطق والعقلانية، لكن بيكيت في هذا العمل يقلب كل تلك المفاهيم والقيم المتعارف عليها، فالعالم ليس منطقياً بل يتظاهر بذلك، كما أنه ليس عقلانياً، وبيكيت في هذا العمل يحاكم ادعاءات البشر، ويعود بهم من قمم أحلامهم إلى سفوح واقعهم الحقيقي.