إعداد / عثمان حسن

قد يستغرب البعض أن أول برمجة للحاسوب تعود إلى أكثر من 180 عاماً، على يدي عالمة الرياضيات الإنجليزية آدا لوفليس، التي وصفت بجنية الرياضيات وأعجوبة العلم، عاشت في القرن التاسع عشر، وطورت برامج لآلة الرياضي والمهندس الإنجليزي تشارلز باباج التحليلية، التي تشبه الحاسب الآلي الحديث، وبالتالي فقد مهدت آدا لوفليس لأساسيات البرمجة الحديثة؛ حين أدركت أن لآلة الحوسبة تطبيقات تتجاوز الحسابات المجردة، إلى معالجة محتويات أخرى كالموسيقى والرموز والصور والنصوص، فهي من أوائل مبرمجي الكمبيوتر، والتي نشرت ما يعرف بأول خوارزمية حاسوبية في التاريخ.

آدا لوفليس، عالمة رياضيات وكمبيوتر، ولدت في (10 ديسمبر/‏كانون الأول 1815، وتوفيت في 27 نوفمبر/‏تشرين الثاني 1852) وهي ابنة الشاعر الإنجليزي الشهير بايرون، وزوجته الليدي ايزابيلا ميلبانكي.

اشتهرت أساساً بعملها على جهاز الكمبيوتر التحليلي للأغراض العامة، (والكمبيوتر التحليلي) يعود لتشارلز باباج عالم رياضي ومخترع ومهندس ميكانيكي بريطاني بدأ بالعمل على مفهومَ الحاسوب القابل للبرمجة.

هي الطفلة الشرعية الوحيدة للشاعر اللورد بايرون وزوجته السيدة بايرون. انفصل بايرون عن زوجته بعد شهر من ولادة آدا وغادر إنجلترا إلى الأبد بعد أربعة أشهر. وقد احتفل بايرون بفراق ابنته بقصيدة يقول فيها:

(هل وجهك مثل أمك طفلتي الجميلة الوحيدة لبيتي وقلبي آدا).

على الرغم من مرضها الدائم، استمرت في مواصلة التعلم، وتزوجت من ويليام كينغ في عام 1835. وهو الذي أصبح لاحقاً إيرل لوفليس في عام 1838، وبناء عليه صارت آدا كونتيسة لوفليس.

وطدت علاقاتها مع علماء؛ مثل: أندرو كروس، وتشارلز باباج، والسير ديفيد بروستر، وتشارلز ويتستون، ومايكل فاراداي والأديب تشارلز ديكنز.

في سن المراهقة، قادتها مواهبها الرياضية إلى علاقة عمل طويلة وصداقة مع عالم الرياضيات البريطاني تشارلز باباج، المعروف باسم «والد الحاسبات». كانت اهتمامها بعمل باباج ينصب على محرك التحليل. التقت لوفليس باباج لأول مرة في يونيو/‏حزيران عام 1833، من خلال صديق مشترك هي معلمتها ماري سومرفيل.

بين عامي 1842 و1843، ترجمت مقالة للمهندس الإيطالي لويجي منابريا عن محرك الحساب، واستكملته بعدة ملاحظات تحتوي على ما يعده الكثيرون أول برنامج كمبيوتر - أي خوارزمية مصممة ليتم تنفيذها بواسطة جهاز. يرفض مؤرخون آخرون هذا المنظور، بينما يعد البعض ملاحظات لوفليس مهمة في التاريخ المبكر لأجهزة الكمبيوتر.

طفولة

توقع اللورد بايرون أن يكون مولوده صبياً، وشعر بخيبة أمل عندما أنجبت زوجته السيدة بايرون فتاة. تم تسمية الطفل على اسم أخت بيرون غير الشقيقة، أوغستا لي وكان بايرون يطلق عليها اسم آدا. في 16 يناير/‏كانون الثاني 1816، وبناءً على أمر اللورد بايرون، غادرت زوجته إلى منزل والديها في كيركبي مالوري، واصطحبت معها ابنتهما البالغة من العمر خمسة أسابيع. على الرغم من أن القانون الإنجليزي في ذلك الوقت كان يمنح الوصاية الكاملة إلى الأب في حالات الانفصال، إلا أن اللورد بايرون لم يقم بأي محاولة للمطالبة بحقوقه، وطلب من شقيقته إطلاعه على علم بسعادة آدا.

لم تكن ل لوفليس علاقة وثيقة مع والدتها. فقد غادرت معظم الوقت لتكون في رعاية جدتها الأم جوديث هون.

كانت لوفليس معرضة للمرض معظم الأوقات، في سن الثامنة، عانت الصداع الذي حجب رؤيتها. في يونيو/‏حزيران 1829، أصيبت بالشلل بعد نوبة من الحصبة، وظلت طريحة الفراش لمدة عام تقريباً، بحلول عام 1831، كانت قادرة على المشي مع العكازات، ورغم تعرضها المستمر للمرض طورت آدا لوفليس مهاراتها في الرياضيات والتكنولوجيا.

عندما بلغت اثني عشر عاماً، قامت بفكرة مشروع مصمم ومدروس، يمزج الخيال مع العاطفة مع العلوم، كانت خطوتها الأولى في فبراير 1828، تعلم فن الطيران، وبدأت من تصميم الأجنحة، فتفحصت العديد من المواد مثل: الأسلاك والريش والورق والحرير، كما درست تشريح الطيور لتحديد النسبة الصحيحة بين الأجنحة والأجسام، وأدرجت النتائج في كتاب أطلقت عليه «فلايولوجي».

حسناء المجتمع الإنجليزي

تم تقديمها إلى البلاط في سن السابعة عشرة، وأصبحت حسناء المجتمع الإنجليزي؛ بسبب «عقلها اللامع»، في 8 يوليو 1835، تزوجت من ويليام بارون كينغ فأصبحت زوجة الملك. وكان لديها ثلاثة منازل، المنزل الرئيسي للعائلة هو تاورز شرق هورسلي، أعيد بناؤه على الطراز القوطي الفيكتوري من قبل المهندس المعماري لمجلسي البرلمان، وفي عام 1838، أصبح زوجها إيرل لوفليس ونبيل أوكهام، مما يعني أن آدا أصبحت كونتيسة لوفلاس.

الشعر والعلم

ركزت آدا بشكل خاص على الرياضيات والعلوم، تحت إشراف ويليام فريند، وليام كينغ، وماري سومرفيل، الباحثة الاسكتلندية وعالمة الرياضيات، والفلك، وكان أحد معلميها المتأخرين هو عالم الرياضيات والمنطق أوغسطس دي مورغان.

في عام 1832، عندما كانت في السابعة عشرة، بدأت تظهر قدرات بارعة في الرياضيات، وفي رسالة إلى والدتها أوضح دي مورغان أن مهارة ابنتها في الرياضيات، يمكن أن تقودها إلى أن تصبح «محققة رياضية أصيلة، ربما من الدرجة الأولى».

غالباً ما تساءلت آدا عن فرضية دمج الشعر والعلوم. وكانت على الدوام تعتقد أن الحدس والخيال يعدان حاسمين لتطبيق المفاهيم الرياضية والعلمية بفاعلية. كما كانت تؤمن بعلوم ما وراء الطبيعة والتنويم المغناطيسي، ودمج العلوم النظرية والتطبيقية مع علوم الطبيعية؛ لاستكشاف غوامض العوالم الغريبة من حولنا.

وفاتها

توفيت لوفليس عن عمر يناهز 36 عاماً - وهو نفس العمر الذي توفي فيه والدها في 27 نوفمبر 1852، بسبب سرطان الرحم.. ودفنت بجانب والدها في كنيسة القديسة مريم المجدلية في هوكنال، نوتنغهامشاير؛ حيث توجد لوحة تذكارية باللغة اللاتينية لها ولوالدها في الكنيسة الملحقة بأبراج هورسلي.

إنجازاتها

في حياتها، كانت آدا لوفليس مهتمة كثيراً بالتطورات العلمية والظواهر الميتافيزيقية وكانت مهتمة باللغة، بعد عملها مع باباج، واصلت العمل في عدة مشاريع، ففي 1844 خاطبت «وورونزو غريغ» حول رغبتها في إنشاء نموذج رياضي لكيفية قيام الدماغ بإبداع الأفكار من خلال الأعصاب إلى المشاعر (حساب التفاضل والتكامل للجهاز العصبي). لم تحقق ذلك مطلقاً. وكجزء من بحثها في هذا المشروع زارت المهندس الكهربائي أندرو كروس في عام 1844 لتتعلم كيفية إجراء التجارب الكهربائية. في العام نفسه، راجعت بحثاً أعده البارون كارل فون ريشنباخ حول المغناطيسية، لكنه لم ينشر.

أصبحت مفتونة بالنموذج الأولي للمحرك التحليلي ل باباج وأعجب الأخير بمهاراتها التحليلية فوصفها ب «الجنية الساحرة» فيما تنبأ عالم الرياضيات «أوغسطس دي مورغان» بقدرتها على أن تصبح عالمة رياضية، ذات شأن.

في الفترة ما بين 1842-1843، ترجمت آدا لوفليس مقالة عالم الرياضيات الإيطالي «لويجي مينابريا» عن أحدث آلة مقترحة من باباج «محرك التحليل» ألحقت مع المقالة مجموعة من الملاحظات. لقد كان شرح وظيفة محرك التحليل مهمة صعبة الإدراك حتى على كثير من العلماء، غير أن المؤسسات البريطانية لم تعلق على ملاحظات لوفليس، وقد أعجب العالم مايكل فاراداي بكتابة آدا وأيدها فيما ذهبت إليه.

كانت ملاحظاتها على المحرك، أطول بثلاث مرات من المقالة، وتضمنت طريقة حساب سلسلة أرقام برنولي على محرك التحليلات، (تم بناء محرك باباج واكتمل في لندن في عام 2002). واستنادا إلى هذا العمل، تعد لوفليس بحسب الكثيرين أول من قدمت برمجة حوسبية، تطورت مع الزمن وانتشرت على نطاق واسع.

ملاحظاتها على المحرك التحليلي كان محل جدل واسع، واعترض عليه كثير من العلماء بينهم «الان تورينج» في مقالته «آلات الحوسبة والذكاء».

أول برنامج كمبيوتر

في عام 1840، دُعي باباج لإلقاء ندوة في جامعة تورينو حول محركه التحليلي. قام لويجي مينابريا، وهو مهندس إيطالي شاب، بنقل محاضرة باباج إلى الفرنسية، وقام تشارلز ويتستون صديق باباج بتفويض آدا لترجمة ورقة مينابريا، مع إضافة ملاحظاتها إلى الترجمة. واعتبرت الملاحظات أكثر شمولاً من ورقة مينابريا.

نظرة ثاقبة

في ملاحظاتها على آلة بابابج، أكدت لوفليس الفرق بين محرك التحليل وآلات الحسابات السابقة، ودرست إمكانات أجهزة الحوسبة، في تقديم معالجات تتجاوز مسألة الأرقام، في بحثها هذا، كانت تهتم بوجود علاقات متداخلة وأساسية في تفسير العلوم.

في الموسيقى على سبيل المثال، أخضعت هذا المجال الواسع للنظام الرياضي، وكان لها السبق في ترجمة واختبار الحقول المختلفة بناء على هذا المفهوم.

بالنسبة إليها فإن نمط الموسيقى، وتقنيات اللحن، والإيقاعات المركبة، هي مفاهيم قابلة للتحليل الرياضي، كما هو حال علم الصوتيات والوظائف البشرية والأحاسيس الإنسانية.

في الثقافة الشعبية

احتلت آدا لوفليس موقعاً متميزاً في الثقافة الشعبية، فقد جسدت عدة أفلام وروايات ورسومات سيرتها المتميزة، كما وضع اسمها على كثير من المعالم والمباني الأكاديمية والرسمية.

فقد تم تجسيد سيرتها في مسرحية رومولوس ليني لعام 1977، وورد اسمها في رواية «ستيم بانك» لعام 1990 التي تم تجسيدها من خلال فيلم ل«وليم غيبسون» وبروس ستيرلينج، وذكرت في رواية جون كراولي لعام 2005.. كما جسّدت شخصيتها توماسينا كوفرلي في مسرحية «اركاديا» لتوم ستوبارد عام 1993.

وكانت آدا لوفليس مع شريكها «تشارلز بابج» حاضران كشخصيتين محوريتين في رواية سيدني بادوا.. وتقمصت شخصيتها ليلي ليسر في الموسم الثاني من سجلات فرانكشتاين، بدور محللة لنموذج الإنسان الآلي.

كرمها موقع جوجل في اليوم العالمي للمرأة في 2017، وأطلق اسمها على مبنى كلية الهندسة في علوم الكمبيوتر والاتصالات بجامعة سرقسطة، وفي 27 يوليو 2018، قدم السيناتور رون وايدن عضو مجلس الشيوخ الأمريكي مقترحاً بتسمية 9 أكتوبر 2018 يوماً وطنياً ل آدا لوفليس، تكريما لإسهاماتها كامرأة رائدة في مجال العلوم والرياضيات.

في كتابه «صنّاع الفكرة» دافع ستيفن ولفرام عن مساهمات لوفليس، وأنه لا يوجد شيء متطور - أو نظيف - مثل حساب آدا لأرقام برنولي، ويؤكد أن الإنجاز الرئيسي لآدا لوفليس اعتمد على نتائج تشارلز باباج.

وصفها دورون سواد، المتخصص في تاريخ الحوسبة بأنها كانت عبقرية رياضية، وقدمت مساهمة مؤثرة في المحرك التحليلي، وكانت أول مبرمج لجهاز الكمبيوتر.

كتب

كثيرة هي الكتب التي صدرت حول حياة العالمة الإنجليزية آدا لوفليس منها كتاب (آدا لوفليس: عالمة الكمبيوتر) من تأليف: كريستوفر هولينجز، أورسولا مارتن، أدريان رايس.. وهو يسلط الضوء على الكونتيسة لوفليس منذ نشأتها في ظل والديها وكيف أنها تفوقت في العلوم حتى قبل وصولها للتعليم العالي، وكيف أصبحت أيقونة للنساء المختصات بعلوم الكمبيوتر. جاء في الكتاب: «هي امرأة شابة من القرن التاسع عشر أصبحت رائدة في علوم الكمبيوتر، درست الرياضيات منذ الصغر وقادتها موهبتها للتفوق».