كان مشهد النيران وهي تندلع في كتب العلامة الأغر، والفيلسوف والفيزيائي والفلكي والطبيب والقاضي، أبو الوليد بن رشد «520 ه- 595 ه»، فتأتي على حصاد سنوات من القراءة والتأليف، صادم ومروع، ومن أكثر المشاهد قسوة في تاريخ الحضارة الإسلامية، لأنه يشوه ذلك الوجه الجميل الذي أظهرته تلك الحضارة لقرون طويلة من المعارف والعلوم. كان ابن رشد ينظر إلى الكتب تحترق واحداً إثر الآخر ولا يحرك ساكنا، بل يقابل كل ذلك بصبر شديد، وفيما هو يتأمل تلك المشهدية القاسية بعمق يذهب فيه إلى مدى تأثيرها على المستقبل، كان خادمه بالقرب منه يبكي وينتحب، فقد ظل إلى جوار سيده وهو يسكب فيها عصارة معرفته بجهد ومثابرة لا تعرف الكلل ولا الملل، لقد عرف تابعه قيمة تلك المؤلفات التي أحرقوها عن جهل فكانوا كمن يسكب النار على رأسه، لكن ابن رشد كان يربت على ظهر تابعه الوفي ويخفف من ألمه ويقول له: «إذ كنت تبكي حال المسلمين فاعلم أن بحار العالم لن تكفيك دموعاً، أما إذا كنت تبكى الكتب المحروقة، فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير»، ما أبلغ تلك الكلمات التي قالها الفيلسوف المفكر، وعظمتها تأتي في أنها قيلت في لحظة كان من المفترض أن يكون الرجل منشغلاً فيها بالحريق متأسيا على ما فقد، لكنه كان يتأمل في الأفكار التي احتوتها تلك الكتب، فالحريق ليس بمقدوره أن يوقف عجلة البشرية ونزوعها نحو المعرفة والحضارة.
كانت أفكار ابن رشد في تلك اللحظة تحلق بعيداً وتسخر من مشهد النار والحريق، فقد كانت هي شرارة النار التي أشعلت تاريخ الفلسفة والفكر على صعيد العالم الغربي، فقد حلت مفاهيمه وكلماته على الفلسفة الغربية فأغنتها وأثرت فيها تأثيراً كبيرا خاصة فيما يتعلق بتفسيراته للفيلسوف اليوناني أرسطو، فقد تعمق بشدة في أفكاره، بل إنه قارن بين بعض انتاجه الفلسفي وبما عند العرب على نحو ما فعل عندما قدم مقارنة فريدة بين مفهومي التراجيديا والكوميديا عند أرسطو في فن الشعر، بأغراض المديح والهجاء في الشعر العربي.
نبوغ
ولد ابن رشد في مدينة قرطبة، وتعلم على أيدي شيوخ وعلماء كبار، ودرس الفقه على المذهب المالكي، وأظهر نبوغاً كبيراً، و تفوق في حياته العلمية حتى تولى منصب القضاء في أشبيلية، وجاء إقباله على تفسير آثار أرسطو تلبية لرغبة الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، إلا أنه كغيره من العلماء والقضاة الذين دافعوا عن حرية الفكر، تعرض لاتهامات من عدد من علماء الأندلس والمعارضين المتشددين له الذين رموه بالكفر ليقوم الخليفة بنفيه إلى مراكش التي توفي فيها بعد حرق كتبه ومؤلفاته بوقت قصير، وكان للسياسة الدور الأكبر في تلك المحرقة التي لم ينجو منها الذين قاموا بالتحريض عليها حيث لاحقتهم الوصمة وكللهم العار على مدى التاريخ.
كان ابن رشد شديد الوله والتعلق بالقراءة، لا يشغله عنها شيء فقد خصص جل أوقاته لها، فكان التحصيل هو همه الأول، وكان يقرأ كل ما يقع في يده، وهو الأمر الذي شكل عنده ثقافة موسوعية أعانته في شأن التأليف وانتاج المفاهيم، ولم تكن القراءة بالنسبة له محصورة في المؤلفات العربية فقط، بل ومن خلال التراجم النادرة التي استقبل من خلالها مفاهيم الفلسفة اليونانية خاصة انتاج أفلاطون وأرسطو، فذاع صيته في الغرب حيث كان يدعى «أفيروس».
في مكتبته حفظ عن ظهر قلب ديوان أبي الطيب المتنبي، وموطأ الإمام مالك، وفلسفة ابن سيناء والفارابي، وقدم حولهما أطروحات جديدة، وقد اهتم بالبحث، كعملية تسبق التأليف وتخدمه، اهتماما شديدا، فكان الرجل طوال يومه منكب على المراجع والمخطوطات، ومن الطرائف التي تروى عنه وتعكس شغفه الشديد بالقراءة، تلك التي تقول إن ابن رشد لم ينقطع عن القراءة إلا يوم زواجه، ويوم وفاة أبيه.
الأمر الجدير بالملاحظة أن الأراء والأفكار التي تضمنتها مؤلفات ابن رشد تثبت على راهنية ذلك الفيلسوف العظيم، خاصة فيما يتعلق بشأن السياسة ودعوته للتنوير والمدنية وعدم التنطع والتشدد، حيث تبرز أفكاره التجديدية كمصل حيوي حقيقي مضاد للتطرف والإرهاب
مفارقة
ولئن كان الغرب قد سعى منذ وقت مبكر إلى ترجمة أعمال ابن رشد، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن العرب قد استعادوا فلسفة وأفكار أبي الوليد عبر الترجمات من الفكر الغربي، فقد أسهم فيه بصورة كبيرة ليس في مجال الفلسفة فقط، بل وكل الحقول العلمية التي طرقها كالفلك والفقه وعلم السياسة، وقد أفرد لها الفكر الغربي الكثير وتوقف عندها الباحثون والأكاديميون في الغرب، والواقع أن الرجل وجد مكانة كبيرة عندهم، بل إنه أغرى الكثير من الفلاسفة والكتاب على تناول فلسفته والتعاطي معها مثل جيمس جويس ودانتي الذي وصفه بالشارح العظيم نظراً لاسهاماته الكبيرة في شرح الفلسفة اليونانية، وقارن البعض منهم بين فلسفته وأفكار جان جاك روسو، و قارنه آخرون بعمانويل كانط، باعتبار أن كليهما قد أسسا للفكر التنويري، فالعديد من الغربيين يعتبرون ابن رشد من فلاسفة التنوير الذين راهنوا على العقل، وكان على الدوام يقول: «الحَسَن ما حَسَّنه العقل، والقبيح ما قبَّحَه العقل.»، وهي مقولة تظهر دعوته إلى حرية التفكير وضرورة إعمال العقل. ويرى العديد من المشتغلين في الحقل الفلسفي أن مفاهيم ابن رشد وأراءه الفلسفية ظلت حاضرة بشدة حتى على مستوى الفلسفة الحديثة في الغرب، حيث إن الاهتمام به قد شهد نشاطاً ملحوظاً في القرنين الماضي والحالي، وعقدت مقارنات بينه وبين فلاسفة محدثين، مثل سبينوزا، وهوسرل.
حادثة حريق كتب ابن رشد كان لها بالفعل أثر كبير في تأخر الحضارة العربية، وربما مازال الكثير من مؤلفاته وأفكاره غريبة على العرب، ومن أبرز تلك الكتب التي قدمها أبو الوليد للعرب والعالم أجمع: «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» و«مناهج الأدلة»، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية في الأصول، «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية، وقد أكد فيه ابن رشد أهمية التفكير التحليلي كشرط أساسي لتفسير القرآن الكريم، و«تهافت التهافت»، وهو رد على كتاب الإمام الغزالي «تهافت الفلاسفة»، وهنالك شروح ابن رشد لكتابي أرسطو «عن الروح» و«مابعد الطبيعة»