القاهرة: مدحت صفوت

في مسرحية «مرة واحد عاش»، مشهد يدور في «كافيه الكلام» كتبته القاصة والمسرحية نهى صبحي، عن مقهى صامت بلا مشروبات أو خدمات، سوى أن يوفر لك مقعداً وتجري محاسبتك على كلمة تنطقها أو تسمعها، لتدور سلسلة من الأحداث التي يحكمها سوء الفهم بين عدد من الزبائن ومسؤولي المقهى.

العرض الذي فاز بجائزة أحسن عرض بمهرجان رومانس 2019، لفت الأنظار وبقوة إلى كاتبة صارت حديث الأوساط المسرحية، وأشاد بها عدد من النقاد.

في كتابتها المسرحية تؤمن نهى صبحي أن «الهمّ الأول للكتابة الإبداعية هو التشكيل الجمالي، بوصفها مهمة عظيمة، وإن اكتفينا بها لكانت كافية لدور الأدب، لكن في اعتقادي لا يوجد خطاب جمالي دون قيمة فكرية، والفصل بينهما ضرب من المستحيل، ومن ناحيتي أنشغل بالقيمتين معاً، دون انفصال أو قطيعة، ولا أتخيل أن أهتم بتفاصيل الإنسان اليومية والحياتية دون قالب جمالي أو دون تشكيل بأدوات الكتابة، ليصبح الأمر أشبه بصنع كعكة، لا يمكنك أن تتنازل عن مقدار من المقادير الأساسية، وإلاّ فسدت الوصفة».

تقول نهى صبحي: «وبما أنني اخترت الشكل الأدبي فحتماً على أن ألتزم بالمهمة الأولى دون الوقوع في فخ تغليب قيمة على الأخرى، فلو زاد الاهتمام بالتشكيل الجمالي لكتبت نوعاً من الألغاز المزركشة، تبدو جميلة لكنها فاقدة للقيمة الفكرية، وإن كان اهتمامي بالموضوع أكبر، إن جازت التسمية، فسأنتج بيانات إيديولوجية، ويصبح من الأفضل لي البحث عن شكل كتابي آخر».

معادلة

وفي لقائها مع «الخليج»، تؤكد نهى صبحي أن معظم الكتابات النسوية تدور في فلك الرجل، وتوضح العلاقة بين اللغة والتلقي قائلة: «كي نحل هذه المعادلة لغوياً، تؤرقني على نحو مستمر التعقيدات اللغوية التي تمثل حاجزاً بين النص والقارئ، وعلينا أن نقرّ بأن ليس كل قارئ قادراً على فك المعميات اللغوية، ولا يجوز أن يدخل على نص ما، وفي يده معجم لغوي، ففهم القارئ والتواصل معه عملية لا تقل أهمية عن إشباعه الجمالي، ووصول الخطاب على نحو جليّ غير مقطوع الصلة عن عملية التخييل والتعايش مع النص، وحال انغلاق النصوص على فئة معينة، فإننا كمن يضع دائرة إرادية حول نفسه ويلتزم بعدم تخطيها، ليفقد شرائح مهمة من المتابعين جرى التعالي عليهم من قبل الكثير من الكتاب».

* كانت بداياتك منذ أكثر من 10 سنوات بمسرح الجامعة.. فماذا عن مسرح الجامعات اليوم؟

- منحتني الجامعة خشبة ونصاً وجمهوراً، جعلوني أدرك أنني مميزة وقادرة على مواصلة ما تميزت فيه وأجيده، بعد ذلك منحتني الثقة الضرورية لمواجهة الحياة، وشاركتُ منذ أكثر من عقد في إعادة تقديم مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور.

* تستعدين هذه الأيام لعرض «رقصة الجنازة» الذي لا تغيب عنه الفلسفة أيضاً.. هل يمكن أن نلقي الضوء عليه على نحو أوضح؟

- رقصة الجنازة مسرحية اجتماعية، تناقش بعض قضايا المجتمع في إطار درامي كوميدي، وتدور أحداثها حول البطلة «مبادئ» التي نشأت على القيم المثلى وعلى مفاهيم أخلاقية ثابتة، وتفقد في كل اسكتش قيمة ومبدأ رغماً عنها وتجبرها الظروف على ذلك؛ لتقوى على العيش في هذا المجتمع الجديد وصولاً للنهاية التي تكون في صورة رقصة جنائزية إيقاعية على أنغام الدف والمزمار لترقصها مبادئ في حالة حزن وجنون، ثم تفشل في التعرف على نفسها من خلال عرض أداء مميز جداً على صوت الشاعر الفلسطيني محمود درويش وقصيدة «من أنا» وتعبر إلى الجنون من خلال رؤية فريدريك نيتشه الفلسفية حيث تكمن الفوضى في مفاهيمه.

* إذن أنت معجبة برؤية نيتشه؟

- رجاءً، أخرجني ككاتبة من المعادلة في قراءة النص، لكن تدور الأحداث بين وجهتي نظر، الأولى تتبنى الموقف النيتشوي وإنسان السوبرمان وتقديسه القوة جراء اعتقاده أنها موجودة في كل أرجاء الكون، إرادة القوة هي جوهر الحياة، وليس مجرد خاصية من خصائصها، ووجهة نظر أخرى ترى في فلسفته تكريساً للنمط ما بعد الحداثي الذي يشيّئ الإنسان، وينظر للعدمية كونها الاعتقاد بأن الحياة ليس لها معنى، ورفض كل القيم، وشكلت مرحلة فاصلة في مسار الحداثة، إذ تحولت من مبدأ أو ركيزة حداثية إلى نقطة تقويض الحداثة، بعدما أصبحت «التقنية» أداة للهيمنة على الإنسان، ويمكن القول هنا: إن العدمية كانت بمثابة البوابة لنقد الحداثة.

كسر للمفاهيم

* أنتِ واحدة من اللائي كسرن مفهوم المسرح النسوي، فكيف ترين ذلك؟

- مصطلح الكتابة النسوية، المشتق من النسوية كفلسفة ليس عيباً، ولا يرتبط فقط بما تكتب المرأة، فالأخيرة كالرجل تقدم إبداعاً في المقام الأول، إنما النسوية كفلسفة رؤية للذات وللعالم من منظور نسائي، مفهوم أوسع يعمل على تحرر المرأة من النظر إليها بوصفها كائناً تابعاً إنما هي كائن مستقل، هنا يمكن أن أكتب أدباً نسوياً من هذا المنظور، ويمكن أن يكتبه كتاب آخرون، رجال ونساء، ولا تقتصر النسوية على الأدب و لكن تشمل كتابات فكرية أيضاً، لنقرأ أعمال لطيفة الزيات وسلوى بكر وجمانة حداد وفاطمة المرنيسي كتابات نسوية.

* وبماذا تختص الكتابات النسوية في رأيك؟

- الكتابة النسوية لا تختص بملابس النساء وأدوات التجميل ومقاييس الجسد، فهذه رؤية ذكورية في جوهرها، إنما تعني عندي الأدب الذي ينطلق من المساواة بوصفها العنصر الحاكم في العلاقات الإنسانية، ويرى المرأة بعيداً عن دوائر النوع وما يترتب عليه. أما عن تجربة المرأة في الكتابة، فليست منفصلة عن السياق الثقافي الحاكم للمجتمع، وليس خافياً أنه سياق ذكوري ممزوج بالرجعية، ما يجعل معظم الكتابات النسوية مع أهميتها تدور في فلك الرجل، لذا من الضروري أن نرى ما تكتبه المرأة بعدما نتخلص من سياق غير إنساني وننتج سياقاً إنسانياً يتعامل مع الإنسان بوصفه إنساناً قبل كل شيء.

إضاءة

فازت نهى صبحي، بجائزة الكتاب الأول فرع الإبداع الأدبي في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2020، عن مجموعتها القصصية «أصفاد الروح» الصادرة عام 2019.

و«أصفاد الروح»، مجموعتها الأولى، وخلال عام تقريباً نوقشت مرتين في ورشة الزيتون ومختبر السرديات التابع لمكتبة الإسكندرية، ونشرت بعض المقالات النقدية عنها في مصر وعدد من الدول العربية، منها مقالات الناقدة الدكتورة اعتدال عثمان، والكاتب الصحفي إيهاب الحضري، والناقد الدكتور يسري عبدالله، و خالد بيومي، وغيرهم.

تتألف المجموعة من 16 قصة، تأخذنا أحداثها في جولة إلى أغوار النفس البشرية، والخوض في تفاصيلها مراراً من خلال لحظات تهرب من الواقع، إلى أعماق الأساطير.

ونهى أيضاً لها مجموعة «الخيالة» ولها قيد الطبع «مخالب ناعمة».