الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حبيب الصايغ.. ذاكرة لا يطويها الرحيل

20 أغسطس 2026 19:05 مساء | آخر تحديث: 20 أغسطس 19:36 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
حبيب الصايغ
حبيب الصايغ
icon الخلاصة icon
في ذكرى رحيله السابعة: حبيب الصايغ شاعر ومثقف جمع الإبداع والعمل الثقافي، وجعل الكلمة للحوار والوعي، وتجددت قصيدته وحضر أثره عربيا وعالميا
في الذكرى السابعة لرحيل الشاعر  حبيب الصايغ، تستعيد الساحة الثقافية الإماراتية والعربية، تجربة ثرية لمثقف وشاعر اتسع حضوره عبر مسار امتد بين الشعر والصحافة والعمل الثقافي المؤسسي، وعلى امتداد هذا المسار، جمع الصايغ بين خصوصية التجربة الشعرية ووعي بدور المثقف في زمنه، مؤمناً بأن الكتابة يجب ألا تكون معزولة عن الواقع، وأن الكلمة قادرة على أن تكون أداة للحوار والتأثير والمشاركة في صناعة الوعي.
في 20 أغسطس 2019، غاب حبيب الصايغ، لكن غيابه لم يطفئ حضوره؛ إذ بقي شعره وكتاباته ومشروعه الثقافي شاهدة على تجربة راهنت على أن الكلمة هي وسيلة الوعي والحوار، والبحث عن القواسم الإنسانية المشتركة، كان الصايغ على الدوام مشغولاً في قصيدته وفي مشروعه الثقافي، بالبحث عن لغة قادرة على التقاط ما يشغل الإنسان العربي من قلق وأسئلة، لغة قادرة على مخاطبة الوجدان العربي ما بين الخليج والمحيط.

قضايا

على مستوى التجربة الشعرية، انشغل الراحل بقضايا الإنسان والوطن والهوية، وجعل من الانتماء والذاكرة الوطنية والهم العربي والإنساني موضوعات أساسية في قصيدته، كما حضرت المرأة في عدد من نصوصه، إلى جانب قضايا الواقع العربي وتحولاته، وبدأ الصايغ رحلته الشعرية مبكراً، فصدر ديوانه الأول عام 1980، وتوالت إصداراته الشعرية في عقدين من العطاء المكثف، فكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، متنقلاً بخفة ومرونة بين هذه الأشكال الشعرية بسبب امتلاكه وعياً إيقاعياً مرهفاً، وإيماناً بأن القصيدة لا تُحبس في قالب شعري واحد.
صدر له مجموعة من الإصدارات مثل: «التصريح الأخير للناطق باسم نفسه»، و«قصائد إلى بيروت»، و«ميارى»، و«الملامح»، و «قصائد على بحر البحر»، و«وردة الكهولة»، مروراً بـ«رسم بياني لأسراب الزرافات» و«كسر في الوزن».
ولقد لقيت تجربة الصايغ اهتماماً نقدياً واسعاً، ووضعها نقاد في سياق التجارب الشعرية اللافتة في الخليج والعالم العربي، لما اتسمت به من نزوع إلى التجديد والبحث عن صيغة خاصة في شعر التفعيلة وقصيدة النثر. ولم يتوقف حضور تجربته عند حدود المشهد العربي؛ إذ ترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصينية، بما أتاح للقصيدة الإماراتية مساحة أوسع للتلقي والقراءة خارج محيطها المحلي.

تجربة

لعل ما ميز تجربة الراحل حبيب الصايغ، هو سعيه المستمر لتأكيد أن الثقافة هي شأن عام يتصل بحياة الناس وقضاياهم، وليست نشاطا نخبوياً منفصلاً عن المجتمع؛ لذا نجد في مقالاته وأعمدته الصحفية، انحيازاً إلى قضايا الإنسان، ويطرح دائماً تصوراً لدور المثقف كطرف فاعل في النقاش العام، ومن هذا المنطلق، كانت نظرته للثقافة تتجاوز الكتب والمعارض والفعاليات، معتبراً أن الثقافة سؤال الحياة.
وفي مسيرته، استطاع الراحل أن يجمع بين العمل الثقافي المؤسسي والممارسة الإبداعية، فإلى جانب أدواره في إدارة المؤسسات والاتحادات والمجالس الثقافية، واصل كتابة الشعر والمحافظة على خصوصية تجربته الأدبية، وهذه الثنائية المتناغمة بين الشاعر والمثقف المؤسسي، شكّلت أحد عناصر قوة تجربته الفريدة؛ إذ أتاحت له أن يتحرك بين فضاء الإبداع الفردي والعمل الثقافي العام، بصورة رسخت حضوره في الساحة الثقافية المحلية والعربية.
وعربياً، تجاوز حضور الصايغ حدود التجربة الإماراتية إلى الانخراط في قضايا الشعر والثقافة العربية، ومن خلال مشاركاته في الملتقيات والمنتديات الثقافية، انشغل بمستقبل الشعر العربي والتحولات التي فرضتها البيئة الرقمية، وتراجع معدلات القراءة، وظهور أشكال جديدة من الكتابة والتعبير. وكان يرى أن التحدي لا يتعلق بالنص وحده، وإنما بالعلاقة التي تربط النص بقارئه، وبقدرة الثقافة على الوصول إلى الأجيال الجديدة من دون أن تقطع صلتها بذاكرتها.

إرث

تتضح خصوصية تجربة حبيب الصايغ في الجمع بين الإبداع الفردي والعمل الثقافي العام، محلياً وعربياً، فقد حافظ على خصوصية مداده الشعري وتجربته الأدبية، وفي الوقت نفسه انخرط في العمل الإعلامي والثقافي، وأسهم في تنشيط المنابر والفعاليات التي وفرت مساحة للحوار وتبادل الأفكار، وبذلك ندرك أن الصايغ يتعامل مع الشاعر والمثقف كمسارين متوازيين، فجمع بينهما في تجربة واحدة اتسع فيها حضور الشاعر ليشمل دوره في المجال العام، وجعل من الثقافة ممارسة تتصل بالمجتمع وهمومه وتحولاته.
ومن هنا، لا يمكن اختزال إرث الصايغ في منجزه الأدبي وحده، حيث أسهم إلى حد كبير في ترسيخ الصورة الحقيقية لدور الثقافة والمثقف في الحياة العامة، باعتبارهما جزءاً من عملية بناء الوعي، وحفظ الذاكرة، ومواكبة التحولات الاجتماعية والفكرية، وقد بقي هذا الأثر حاضراً في شعره وكتاباته، وأيضاً في المؤسسات والمنابر التي ارتبط بها، فضلاً عن صورته الحية في قلوب المثقفين العرب شاعراً ومثقفاً اختار أن يكون طرفاً فاعلاً في المشهد الثقافي.
حبيب الصايغ، لا يزال حاضراً عبر ما أنجزه وما أسهم في تأسيسه من ممارسة ثقافية، في قصيدته، وفي الذاكرة التي تشكّلت حول تجربته التي تركت أثراً في الشعر وفي الحياة الثقافية، وجعلت من الكلمة وسيلة للتعبير والتفكير والمشاركة في صناعة المشهد، ويبقى حبيب ذاكرةً ثقافية يصعب اختزالها في تاريخ ميلاد أو تاريخ رحيل.

حلقة وصل


إن استعادة حبيب الصايغ في ذكراه السابعة، هي استعادة لمحطة بارزة في مسيرة الثقافة الإماراتية، ولتجربة جعلت من الشعر مساحة للوصل بين الذات والعالم، ومن الثقافة مجالاً للتفكير في أسئلة الإنسان والمجتمع وتحولاتهما، فقد آمن الصايغ بدور المثقف في إنتاج الأفكار ومناقشتها، وفي المشاركة في صياغة ومراجعة الوعي العام في مجتمعه.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة