القاهرة : «الخليج»

في تقديمه لترجمة عربية لمسرحية هنريك إبسن «إيولف الصغير»، يؤكد عبد الرحمن بدوي أن «إبسن»: «مارد متوحد في صراع دائم مع المجتمع بتقاليده، والناس بنفاقهم وتصنعهم»، تمرد على المجتمع، وعارض التقاليد السائدة والمواضعات الاجتماعية التي اصطلح عليها الناس في علاقاتهم الاجتماعية، وأكد الفردية الصلبة الشامخة التي تحرص على حقوقها، وتؤكد استقلاليتها ضد الناس، والمجتمع، والدولة، وتقفر في وجه كل ما يحد منها، أو ينتقص من ذاتيتها.

كان الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن، متشائماً في ما يتصل بالماضي والحاضر والمستقبل، متشائما في ما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، وعلاقات الفرد مع المجتمع، وامتد تشاؤمه إلى مثاليته، فقد كان في شبابه مثالياً طموحاً، لكنه لم يجد في الواقع غير كل ما يثير قلقه، فتشاءم من الإنسان ومصيره، وإمكان إصلاحه وإصلاح العالم، لكنه لم يكن من الرومانتيك الحالمين ذوي النفوس الرخوة، الذين قلبوا تشاؤمهم إلى عاطفة على الفقراء والمحرومين، لأنه رأى أن ما يحتاجه الإنسان ليس الرثاء والعطف، بل العدالة والغضب من الظلم.

ولد هنريك إبسن في العشرين من شهر مارس/ آذار سنة 1828 في إحدى قرى النرويج، وكان أبوه تاجراً ميسور الحال، ولم يلبث أن أصابه الإفلاس، وكان الابن في الثامنة من عمره، فساءت حالته، واضطر بعد أن أتم دراسته الابتدائية إلى العمل صبياً في صيدلية، وكانت سنه آنذاك 15 سنة، لكنه سرعان ما ترك هذه المهنة سنة 1850 والتحق بكلية الطب، ثم تركها ليتفرغ للأدب، وكان يقرأ كثيراً في الشعر واللاهوت إلى أن كتب مسرحية شعرية، غير أن موارده المالية الضئيلة اضطرته إلى الاشتراك في تحرير مجلة أسبوعية سياسية، توقفت بعد 9 أشهر من صدورها.

عمل إبسن لمدة ست سنوات مستشاراً ومخرجاً في أحد المسارح، وكان عليه أن يؤلف كل عام مسرحية للعرض في الذكرى السنوية لإنشاء المسرح، وهذه المسرحيات أنكرها فيما بعد لأنها لا تليق بمكانته، لكنه نشر مسرحيته «كوميديا الحب» سنة 1862 وكان لها تأثير بالغ وأحدثت ضجة في المجتمع الإسكندنافي، بما انطوت عليه من نقد قاسٍ للأوضاع الاجتماعية، وتعد أول ضربة له في حملاته المستمرة على نفاق المجتمع، وتوكيد حقوق الفرد، لكن المسرح الجديد أصابه بالإفلاس، وأخذ أصدقاؤه يبحثون له عن وظيفة في الجمرك، وعبثاً حاول أن يحصل على معاش سنوي، فلم يفز إلا بمساعدة مالية بسيطة للسفر إلى الخارج.

قرر إبسن أن يرحل إلى روما، وهناك كتب عدة مسرحيات، ورحل منها إلى ألمانيا، وسافر إلى مصر سنة 1876 بوصفه مدعواً للاشتراك في الاحتفال بإنشاء قناة السويس، واستمر على هذه الحال إلى أن استقر به المقام في وطنه سنة 1892 حتى توفي في شهر مايو عام 1906 بعد أن أمضى أربع سنوات حافلة بالألم والانهيار العقلي، وعلى الرغم من كثرة مسرحياته فإنها تكون ما يسمى «مسرح المجتمع»، وأبرز ما فيه التحليل الباطن لنفسيات شخصياته، ومنهجه التحليلي يجعل أفعال أشخاصه بالغة التركيز، حتى إنه يلقب ب«أبو المسرح الحديث».

وصف النقاد مسرحيات إبسن بالقنبلة الموقوتة، فكل مسرحية منها تفجر قضية ما وتثير ردود فعل عنيفة، فقد اختار أن يكشف الزيف الاجتماعي داعياً إلى الاعتدال والوسطية بعيداً عن التطرف، ففي عام 1879 عرضت مسرحية «بيت الدمية»، التي أثارت غضب المشاهدين، فرموا الممثلين بالطماطم، معتبرين المسرحية إهانة تمس مكانة المرأة، وتهدد الطمأنينة العائلية، إذ ترفض «نورا» الزوجة القليلة الخبرة أن تحيا حياة زائفة مع زوجها المثقف، وتكتشف أنه لا يكن لها احتراماً حقيقياً، ولا يؤمن بحقها في أن تفكر أو تتخذ أي قرار.

ونظراً للجدل الذي أثارته المسرحية فقد استغلتها الحركات النسائية المتطرفة في العصر الحديث أسوأ استغلال في تفسير المسرحية بعيداً عن مقاصد إبسن الحقيقية، ولما قوبلت المسرحية، لاسيما في ألمانيا، بعاصفة من الاحتجاج، اضطر «إبسن» إلى أن يضع لها خاتمة ترضي الجمهور، ولا تزال المسرحية حتى اليوم تثير جدلاً بين النقاد.

يذهب النقاد إلى أن إنتاج إبسن المسرحي تسوده فكرتان أساسيتان، الأولى هي الأهمية البالغة التي يوليها للفرد، فقد كان يرى في نمو الفرد وإغنائه الأمل الوحيد في إيجاد مجتمع مستنير مثقف حقاً، والثانية هي أن المأساة الوحيدة التي يمكن تحملها، والخطأ النهائي الوحيد الذي يمكن ارتكابه هو إنكار الحب، وحلل ذلك باستفاضة من خلال رصد صور العلاقات الاجتماعية وعلى رأسها الزواج، وذلك في أشهر مسرحيتين له وهما «بيت الدمية» و«الأشباح»، ففيهما ينقد الكيفية التي بها يفهم الناس الرابطة الزوجية.