الشارقة: عثمان حسن

الزمان روسيا القيصرية في عام 1795.. حيث أمرت إمبراطورة روسيا كاثرين الثانية بتأسيس المكتبة الوطنية الروسية، في سانت بطرسبيرج، بالاستناد إلى مقتنيات مكتبة زالوسكي، التي كانت تعرف باسم المكتبة الوطنية البولندية الشهيرة التي بناها الأسقف زالوسكي في وارسو، وكانت تضم 420 ألف مجلد، واستولى عليها الروس في عام 1794. واليوم هي من بين أكبر المكتبات في العالم، ونظراً لاتساع مجموعاتها وغناها الثقافي والفكري، يقارنها الباحثون بمكتبات العالم الأساسية، مثل مكتبة الكونجرس في واشنطن.

عرفت أولاً باسم المكتبة الإمبراطورية العامة من 1795 إلى 1917، والمكتبة العامة الروسية من 1917 إلى 1925، مكتبة الدولة العامة من 1925 إلى 1992. و تشتمل مقتنياتها على أغنى مجموعة في مكتبات في الاتحاد الروسي، وخزينة التراث الوطني، وهي مركز للمعلومات والبحوث والثقافة في عموم روسيا. ولا يجب الخلط بينها وبين مكتبة الدولة الروسية، الموجودة في موسكو.

تم تعيين موقع لمبنى المكتبة في زاوية شارع نيفسكي وشارع سادوفايا، وسط العاصمة الإمبراطورية الروسية. بدأت أعمال البناء على الفور، واستمرت لما يقرب من خمسة عشر عاماً. تم تصميم المبنى على الطراز الكلاسيكي من قبل المهندس المعماري إيجور سوكولوف.

في عام 1810، وافق الإمبراطور ألكسندر الأول على قانون المكتبات الروسي الأول الذي ينص من بين أمور أخرى على إيداع نسختين قانونيتين في المكتبة من جميع المواد المطبوعة في روسيا، وقد كان مقرراً افتتاح المكتبة للجمهور في عام 1812، لكنه تأجل عامين بسبب غزو نابليون.

أمناء

أدار الكونت ألكسندر ستروغانوف، المكتبة خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر، فافتتح مشروع «روسيكا»، ويضم مجموعة كبيرة من الكتب الأجنبية التي تخص الدولة الروسية، وبفضل ستروغانوف حصلت المكتبة على كنوزها الأكثر قيمة مثل «إنجيل أوسترومير»، وهو أقدم كتاب باللهجة السلافية الشرقية، كما ضمت المكتبة في حينه مجموعة المخطوطات والرسائل التي أحضرها بيتر ب. دوبروفسكي (1754-1816) الذي مكث في الخدمة الدبلوماسية لأكثر من 20 عاماً خارج البلاد.

مقتنيات

تضم المكتبة اليوم أكثر من 275 كم من الرفوف، وأكثر من 43 مليون قطعة، وأيضاً أكثر من 17 مليون كتاب، و13 مليوناً من المجلات والدوريات المتنوعة، يضاف إليها 350 ألف تسجيل موسيقي وصوتي، و150 ألف خريطة، وما يزيد على 800 ألف كتاب عن الإسلام، ومجموعة نادرة من مخطوطات القرآن الكريم، ونحو 3.5 مليون نسخة من الكتب السرية والوثائق غير المنشورة.

مبانٍ وأقسام

تتكون من ستة طوابق، اثنان منهما تحت الأرض، و أربعة فوق الأرض.

أما أقسام المكتبة فتتألف من: قسم المخطوطات، ويحتوي على أكثر من 550 ألف مخطوطة، بعضها يعود تاريخه إلى القرن السادس الميلادي، وتشتمل على عدد من المخطوطات العربية واليابانية المكتوبة على أوراق الأرز.

وهناك قسم المخطوطات الهندية المزخرفة، وغيرها من الفارسية والكردية، وقسم خاص بالمطبوعات الثمينة والنادرة، ويضم رسومات وأطالس وخرائط، وهناك قسم الكتب وقسم خاص بالمجلات والجرائد، وآخر يشتمل على سلاسل متنوعة، بالإضافة إلى قسم النوتات والتسجيلات الموسيقية، التي يعود بعضها إلى القرن الخامس عشر الميلادي، هذا عدا عن قسم الوثائق والمستندات، وقسم الميكروفيلم والأشرطة والأسطوانات، وما له صلة بالمطبوعات الحربية والعسكرية، وقسم الآداب الشرقية (موزعة على 160 لغة من لغات شعوب آسيا وإفريقيا).. ويعتبر هذا القسم الأثمن والأكبر في روسيا والاتحاد السوفييتي السابق.

قفزات نوعية

شهدت المكتبة تطورات دراماتيكية في نحو مئة عام ما بين (1814 - 1917) فمنذ افتتاح المبنى الكلاسيكي للمكتبة في شارع نيفسكي، تحت اسم «المكتبة الإمبراطورية العامة» في 14 يناير/‏كانون الثاني 1814. تم إصدار أكثر من 100 ألف عنوان للزوار في العقود الثلاثة الأولى، وأقيم مبنى المكتبة الثاني (الذي صممه كارلو روسي) الذي يواجه حديقة الإمبراطورة كاترين بين 1832-1835 لاستيعاب المجموعات المتزايدة من المقتنيات.

في 23 نوفمبر/‏تشرين الثاني 1831، صار باستطاعة جمهور المكتبة الاستفادة من أول متحف كان مملوكاً للقطاع الخاص، في قصر روميانتسيف بمدينة سانت بطرسبيرج، وهو المتحف الذي نقل إلى موسكو بعد ثلاثين عاماً من تاريخ افتتاحه، خاصة مع وجود كثير من المكتبات في مدينة سانت بطرسبيرج.

يعتبر أليكسي أولينين، (المشرف الثالث) أحد أبرز الأسماء في إدارة المكتبة، والأكثر شهرة، ففي ولايته التي استمرت نحو 32 عاماً بمساعدة نائبه سيرجي أوفاروف، لمعت المكتبة في وجدان الجمهور، وخاصة المثقفين الروس، وقد ضم كادر المكتبة في ذلك الوقت نخبة من العلماء والكتاب بينهم: (إيفان كريلوف، كونستانتين باتيوشكوف، نيكولاي جنديتش، أنطون ديلفيج، ميخائيل زاغوسكين، ألكسندر فوستوكوف، والأب إيواكينف..).

تطورت المكتبة إلى مستوى رفيع في خمسينات القرن التاسع عشر، بزيادة ملحوظة في عدد القراء، وكانت مقتنيات المكتبة بدورها قد شهدت نمواً ملحوظاً أعلى بخمس مرات من معدل النمو السنوي، البالغ خمسة آلاف مادة جديدة.

في عام 1859، أعد فاسيلي سوبولشيكوف أول دليل وطني لعلوم المكتبات تحت عنوان «مرافق المكتبة العامة والفهرسة».

نفائس من التراث الشرقي

من عام 1849 إلى عام 1861، أدار المكتبة الكونت موديست فون كورف الذي كان زميلًا في لألكسندر بوشكين في المدرسة الثانوية، أضاف كورف وخليفته إيفان ديليانوف عدداً من أقدم المخطوطات، تضمنت أناجيل من العهدين القديم والجديد (الأناجيل الأربعة المصورة /‏ 1508)، ومن بينها أيضاً إحدى أقدم نسخ القرآن الكريم من القرن السابع، ونحو 2000 مخطوطة عربية ثمينة في قسم «الأدب الشرقي» تعود إلى القرن الثامن والحادي عشر.

ومن بينها أيضاً مخطوطات عربية تعود إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر، بينها كتب في المدونات، والتاريخ، وجغرافيا البلدان، والطب ككتاب القانون لابن سينا طبعة 1593، وكتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني وغيرها الكثير.