يوسف أبو لوز
يذكر الباحث الأمريكي جون إدوارد هوث في كتابه «الفن الضائع = ثقافات الملاحة ومهارات اهتداء السبيل»، من ترجمة: د. سعد الدين خرفان، أن للكثير من أصناف الطيور عاداتٍ راسخة وغرائز ملاحية متطوّرة يستفيد منها الملاّحون في كثير من الأحيان. ويضيف في مكان آخر من الكتاب أن طيران الطيور ساعد البحّارة البرتغاليين في تحديد بعض جزر الآزور، بل، كما يقول، هناك قصص حول طيور حُملت في سفن شراعية من أجل استخدامها في الملاحة: «... يترك البحّارة الطيور تطير بحرّية، ويتبعونها للعثور على اليابسة، وذكر الغراب والحمام في عدد من هذه القصص ...».
النورس طائر يرتدي الحرير الأبيض دائماً، هو الآخر يدلك إلى البحر بطيرانه المنخفض قبل الوصول إلى الشاطئ، هنا وطنه، وهنا مكان ذاكرته.
لا يأخذك النورس إلى اليابسة، ولا يطمئن للبّحارة حتى لو كان بوسعه أن يبني أعشاشه في هياكل السفن القديمة المتهالكة عند حوافّ الرمل.
يأخذك النورس إلى الموجة الماضية سريعاً إلى حتفها، كأنما يستعير بياض ريشه من بياض زبد الماء الذي يتكثف على الرمل على شكل كلمات وخطوط ودوائر، بل كأن الماء يتحوّل إلى لغة.
هذا عن النورس، ولكن ماذا عن طائر القطرس الذي ورد في قصيدة للشاعر الفرنسي شارل بودلير (1821 - 1867)؟
يتحدث بودلير في هذه القصيدة عن القطرس الذي غالباً ما يصطاده البحّارة، كما يقول الشاعر طلباً للتسلية. وطيور القطرس طيور كبيرة: «... تتبع بغير مبالاة السفينة المنسابة فوق اللجج كأنها رفاق السفر ...»، ولكن هذه الطيور الكبيرة المهيبة، والواحد منها كأنه ملك الفضاء، تتحول إلى كائنات خجلى خرقاء، بل تافهة، وتدعو للرثاء ما إن يصطادها البحارة ويضعونها على ألواح السفينة. هذه الطيور الجميلة تصبح مدعاة للسخرية عندما يعبث بها البحّارة، فهذا بحّار يزعج بغليونه منقار القطرس، وهذا بحّار آخر يهزأ بهذا الطائر الذي كان قبل قليل ملك الفضاء.
إلى هنا تنتهي القصيدة، ولكن شارل بودلير لا يتحدث عن طائر القطرس في حدّ ذاته. إنه مجرد رمز للشاعر الذي يترك نفسه ألعوبة بين يدي الغوغاء على الأرض، هؤلاء «البحّارة» الذين يكسرون أجنحة الشاعر، ويحوّلونه من ملك إلى منفّي في الأرض.
هذا عن قطرس بودلير، ولكن ماذا عن غراب «إدغار ألن بو»؟ هذا الطائر الذي يرتدي الأسود دائماً، على النقيض التام من النورس الأبيض. إنه طائر الأعجوبة والأسطورة، تتشاءم منه شعوب، وتتفاءل به شعوب. وعندما تحوّل على يد «إدغار ألن بو» إلى قصيدة، أصبح ذاكرة.