يوسف أبو لوز

«وَلّى عهد فرانكو. ولكن من الصعب أن تنسى خريطة العظام التي تركها خلفه»، وما أكثر خرائط الدم والدموع والرماد والعظام التي تركها من هم من طينة جنرال الموت فرانكو وراءهم، غير أن ما كان يعني ناتالي حنظل الشاعرة الأمريكية من أصول فلسطينية قائلة هذه العبارة أعلاه في إحدى قصائدها، ليس خرائط الطغاة في العالم، بل تتبّع خريطة شاعر أندلسي جميل هو فريدريكو جارثيا لوركا الذي عاش في مانهاتن فترة قصيرة من حياته 1930/1929، ولم يلبث أن عاد بسرعة إلى غرناطة المدينة التي ارتبط اسمها باسمه، كما ارتبط اسمه بكل علامة رائعة في الأندلس.
كان مجيء لوركا إلى أمريكا نوعاً من اكتشاف الذات في بلاد لم يكن يحبّها، وكتب فيها قصائد هي أقرب إلى هجاء رعاة البقر ذوي الرقاب الغليظة الحمراء الذين محوا عن وجه أمريكا خرائط الهنود الحمر سكّانها الأصليين، ولذلك، كانت زيارة لوركا لأمريكا قصيرة، ولكنها ألهمته كتاباً شعرياً مكتملاً من حيث اللغة والأسلوب والرؤية.
إنه مجموعته الشعرية «شاعر في نيويورك» وفي المقابل، وفي رحلة معاكسة جاءت ناتالي حنظل من نيويورك إلى الأندلس. تقول حنظل: «أراني أذهب إلى إسبانيا لأكتب ديوان «شاعرة في الأندلس»، أنا التي أعيش في نيويورك، وجذوري متوسطية، وشرق أوسطية، لقد أعدت نسج رحلة لوركا، ولكن بطريقة معكوسة».
في مقدّمته لديوان «شاعرة في الأندلس» يكتب مترجم الديوان إلى العربية د. عابد إسماعيل «في ديوانها، تقدّم ناتالي حنظل رؤية شعرية متكاملة للأندلس بوصفها حاضناً فريداً لفضاء حضاري، انصهرت في بوتقته أنماط فكرية وفلسفية»، ولكن، ومن وجهة نظر خاصة اجتهادية، وإلى جانب الفضاء الحضاري الجاذب للأندلس، أرى أن في رحلة ناتالي حنظل المعاكسة إلى إسبانيا نوعاً من البحث السرّي المُضمر عن الفردوس المفقود، أو فكرة الفردوس الأندلسي المفقود الذي يتماهى هنا، أو يمكن أن يتماهى مع الفردوس الفلسطيني المفقود. فردوس الشاعرة التي هاجر أجدادها منذ عشرات السنوات إلى أمريكا، لتولد وتنشأ وتتكوّن ثقافياً هناك، لكن سوف يدلّها دمها إلى عروقه الأولى، بالغريزة والفطرة، وما البحث عن لوركا في أندلسه، سوى وجه آخر من بحثها عن «ناتالي حنظل» في المكان الأندلسي ذاته.
تظهر في كتاب «شاعرة في الأندلس» أطياف فلسطينية تشبه خصلات قوس قزح كنعاني من بعيد، يظهر جبل الجليل من بعيد. تظهر أماكن ومدن فلسطينية بطعم غرناطة. تقول«أخيراً، كانت غرناطة، المدينة التي تركت بصمتها الأكثر ديمومة عليّ».
ناتالي حنظل الفلسطينية الأصل، وعلى نحو ما في هذه الرحلة المعاكسة تتبّع خريطة العظام التي تركها خلفه فرانكو آخر، «إسرائيلي» هذه المرّة.

[email protected]