الوقفة في كل عام، لكنها تتجدد في الزمان، مشيرة، بكل قوة، إلى غد الإنسان والمسلم . المعنى هنا يكتنز بالمعنى ويفيض، والغد استمرار العمل المسؤول، والشعور الحقيقي بالمسؤولية، وعلى صعيد عرفة في الأراضي المقدسة يقف الحجاج، ضيوف الرحمن، لكن هذه الممارسة العبادية تتجلى في مجازها الدال، خارج صعيد عرفة، في كل مكان . الوقفة تجمع ملايين المسلمين المضاعفة على قلب واحد نحو تحقيق العيد في اليوم التالي .
والعيد في قلب وعقل الإنسان المسلم متحقق قبل العيد وبعده، ومتحقق خصوصاً يوم الوقفة، فيما الوقفة، وهي توحد شعور المسلمين وتسهم في تشكيل وجدانهم الجمعي عبر المكان والزمان تتخذ أدواراً جديدة، متجددة، على مستوى علاقة المرء بنفسه وعلاقته بالآخر . بالآخرين . هو انصهار إحساس الملايين المضاعفة الواحد ونبضهم الواحد . هو حركتهم الواحدة . هو المنطلق والمصير . هو خلاصة ما يجرب، وصورة ما تؤدي إليه الحكمة في منتصف الطريق الذي لاينتهي أبداً . هو التأمل الخالد عاماً بعد عام، عقداً بعد عقد، قرناً بعد قرن، ألفية بعد ألفية، وأجيالاً تتوالى كما تتوالى الفصول والمواسم .
أما أجمل المواسم مطلقاً فهو هذا، حيث العبادة والسعادة، وحيث الفكرة العميقة تزداد غنى كلما انطوى الزمان على حركة أهله بين كل سيرورة وصيرورة . الأجمل والأفضل لا ريب . الشامخ، الرائق، الرائع، الطالع، المتطلع، الصادر عن مصادر الحق وما أدراك، وكأن الواقفين اليوم على جبل عرفة، في الحقيقة والمجاز، على صعيد عرفة وكل صعيد، تأمل مجرد، وروح واحدة تحمد خالقها وتسبّح اسم ربها الأعلى . ليس إلا التوحيد متجسداً، في الشكل الأبهى، على جبل الرحمة، وفي مضامين الوقفة موقف الإنسان الذي أراده له خالقه وخالق ومدبّر الكون .
في التجسيد الأقرب، هي الوقفة بين عامين، وفي هذه اللحظة الطويلة المضيئة تنشط الذكرى في الذاكرة: عام بين الوقفة والوقفة، والموقف للتأمل والمراجعة، لمزيد عمل وإتقان، والموقف فرصة، فرص جديدة تتاح، والعاقل هو من يحسن استغلالها نحو تنمية الذات وتنمية المجتمع، فمن هنا تقدم الأوطان ووصول الأمة إلى ما يُراد لها من مجد تستحقه وهي أهله .
وبين وقفة عرفة في عامنا هذا والعام الذي سبقه مسافة وعي تشكلت وتتشكل، كما لم يحدث ربما من بعض، نظراً للتغيرات في المنطقة، وبعضها غرائبي ولا يصدق، خصوصاً حين يُرتكب، وياللمفارقة، باسم الإسلام .
لبيك اللهم لبيك . صوت الواقفين في عرفات اليوم، وصوت المسلمين في كل مكان، صوت الذين يؤمنون، ويعرفون ربهم، ويدافعون عن قيم الإسلام بتطبيق تعاليمه السامية، والتزام منظومة مبادئه وقيمه .
لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك لبيك .

ابن الديرة
[email protected]