دبي: نادية سلطان

أكد إبراهيم محمد بوملحة مستشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للشؤون الثقافية والإنسانية ورئيس اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، أن الحديث عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، شائق ومتشعب وجميل، فتشعر وكأنك تتحدث عن معان نادرة سواء في عالم السياسة أو في النواحي الإنسانية التي قلما تجدها في واقعنا بقدر ما هي قائمة ومتمثلة في شخص الشيخ زايد حتى صار مثالا واضحا وقدوة نادرة لأناس هذا العصر سواء لمن كانوا عايشوه في فترة حياته أو ممن سمعوا ما ينقل عنه من أخبار وقصص وحكايات، حتى أنه ليخيل للبعض أن الحديث عنه فيض من خيال أو حديث عن أسطورة من أساطير الزمان.
قال بوملحة في حديث لـ «الخليج»: إن من عرف الشيخ زايد وعاصره يعرف أن ما نذكره عنه حقيقة واقعة فيه وطبيعة لازمة في شخصه لا تغيب عنه، وأن ما ينقل عنه ربما لا يصور حقيقة هذا الرجل ولا يصف ما هو عليه من معان طيبة وصفات كبيرة وخصال نادرة في مجال الخير والإنسانية أولاً ثم في مجال الفكر والرأي والقيادة الحكيمة التي تتعدى دائرة الأقوال والتصريحات إلى واقع الفعل والممارسة والتطبيق، ما أسهم إسهامات فاعلة بأن تكون الإمارات على صغر رقعتها وقلة عدد سكانها وعدم مرور وقت كاف على إنشائها في مصاف الدول المتقدمة وربما تفوقها فيما تحقق على أرضها من تنمية في كثير من الميادين.
تذليل الصعاب
ويشير في معرض حديثه إلى ما شهدته الدولة من النهضة التنموية الشاملة في التعليم والصحة والعمران ووسائل المواصلات، والوصول إلى مراحل متقدمة في التنظيم والتطوير، حتى نجح قائد المسيرة في توحيد الجهود وتذليل الصعاب من أجل بناء الصرح الأكبر الذي أطلق عليه دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن يسير بها خطوات وقفزات بعيدة في عالم التمدن والبناء والتنمية وأن يحقق الرخاء والازدهار والعيش الحر لشعبها.
وقال إنه لا يعرف حقيقة الرجل وعظيم إنجازاته وما قام به من أفعال سامية وكبيرة إلا من عاش مرحلة ما قبل الشيخ زايد بصعوبتها وقسوة ظروفها، أي قبل ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ورأى كيف عانت الأجيال التي قبلنا من أجل كسب لقمة العيش، كما أن بعضهم هاجروا لبلدان مجاورة بحثا عن مصادر للرزق، لافتا إلى أن من عاش الحياتين وعاصر الظرفين يعرف عمن نتحدث وعن مدى قدراته وإمكاناته وحبه للأرض والناس والحيوانات والأشجار، وحبه الكبير لأبناء شعبه، والذي جعله يتعب ويجهد نفسه من أجلهم وتحقيق التنمية والازدهار الذي يعيشون فيه الآن.
ويتذكر إبراهيم بوملحة أنه في عام 1972 عندما كان في المرحلة الثانوية لم يكن هناك سوى مدرستين فقط للثانوية، هما ثانوية دبي وثانوية المعهد الديني، وفي الستينات لم تكم هناك أي مدرسة ثانوية، ويتذكر أنه كان يذاكر مع زملائه على مصابيح دوارات الشوارع، وكان في دبي حتى منتصف الخمسينات مستشفى واحد هو مستشفى المكتوم ثم فتح مستشفى الكويت في أواخر الستينات، واليوم ما نراه في حاضر الدولة من مدارس ومستشفيات وبيوت حديثة وتنمية نصاب بالذهول عندما نقارن الماضي بالحاضر.
وأكد أن زايد، رحمه الله، كان يسابق الزمن في كتابة فصول تنميته على أرض أبوظبي والتي نجح فيها نجاحا فريدا على مستوى العالم كله على الرغم من أن الطريق لم يكن سهلا ولا ميسرا، وقام بإصلاحات تنموية ومشاريع كبيرة وشاملة حولت أبوظبي من مدينة قديمة صغيرة تفتقر لأبسط الخدمات والمرافق إلى مدينة حديثة متطورة في كل مقومات الحياة الرغدة وكقوة اقتصادية في المنطقة.
زهده في المال
ويقول بوملحة إن ملامح شخصية الشيخ زايد، رحمه الله، عديدة وفي مقدمتها الصبر والخبرة والحنكة، وكان دوما يوصي بالصبر حتى يتحقق الخير والتقدم للوطن وكان دوما يردد «لقد علمتنا الصحراء أن نصبر طويلا حتى ينبت الخير، وعلينا أن نصبر ونواصل مسيرة البناء حتى نحقق الخير لوطننا».
وكان زاهداً في المال حيث سخره منذ بدايات توليه مسؤولياته لخدمة الناس وإعمار الوطن وبناء مؤسساته ومشاريعه، وعندما ظهر البترول في أبوظبي وحققت مبيعاته دخلاً طائلاً لم يحتكر الثروة لأبوظبي وحدها رغم عمله على تغيير نمط الحياة بها وإسعاد شعبها، ولكنه وجه جزءا كبيرا من تلك الثروة للإمارات الأخرى، وأقام مشاريع البنية التحتية والإسكان بها مما ساعد في النهوض والتطوير حتى تحقق على يد زايد الخير والنماء لجميع الإماراتيين. كان الشيخ زايد يميل إلى الكرم والسخاء والمساعدة والبذل والعطاء غير المحدود وهذه الخصال مجتمعة جزء من شخصيته وسلوكه العام، فمد يد العون للجميع في الداخل والخارج على مدار أعوام وأعوام، وأينما ذهبنا في أقطار العرب والمسلمين نجد مآثر زايد في مساهمات خيرية، وتنمية مجتمعية وإنشاء المستشفيات والمدارس والسدود والعديد من المشاريع التنموية العملاقة التي لا تزال تقف شامخة وشاهدة على عطاء هذا الرجل وسخائه.
ديمقراطية شعبية
ويؤكد المستشــار إبراهيم بوملحة خلال حديثه عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن زياراته إلى مناطق البلاد ولقاءاته بالناس فيها والتعرف على ظروف معيشتهم وأحوالهم والوقوف على احتياجاتهم الضرورية وتلبيتها ذات أثر إيجابي في التنمية التي كان ينشدها ويعمل من أجلها، وكان دوما يقول للناس «إن بابنا مفتوح وسيظل دائما كذلك ونحن نرجو من الله ان يجعلنا سندا لكل مظلوم، وصاحب أي شكوى يستطيع أن يقابلني في أي وقت».
وكان يؤمن بالرأي الحر والديمقراطية المفتوحة لشعب الإمارات وكان يمارسها فعليا في لقاءاته بالناس، وكان دوما يريد للديمقراطية أن تكون ممارسة عملية منتجة في واقع الناس، سلطة كانوا أم شعبا، وليست شعارات ونصوصاً في ثنايا الدستور فقط، فقد كان يمارس الديمقراطية بفطرته التي تربى عليها وعايشها في مجلس والده حيث كان يلتقي الناس ويناقشهم ويتعرف إلى آرائهم ويصارحهم ويصارحونه بهمومهم وملاحظاتهم ويبيحون له بكل ما يحملونه في قلوبهم، وكان يردد «راحتي التي أشعر بها شخصياً ويشعر بها كل فرد من رفاقي تكون في البعد عن المجاملات في تصرفاتنا والصراحة» وهذه صورة واضحة من الديمقراطية التي تربى عليها زايد ونمّى مفهومها في مجتمعه، وكان يتقبل بفطرته أي ملاحظات بخلاف وجهة نظره لأنه كان يؤمن بأن لكل إنسان رأيه وتحليله للأمور وليس شرطاً أن يتفق الجميع على رأي واحد؛ لأنه يعد من المستحيلات.
وأصبح زايد مثالاً للقائد الديمقراطي الذي فتح لشعبه مجالاً من حرية الرأي المباشر معه وفتح بابه لكل إنسان يريد ان يتكلم بصراحة وحرية وكان رافضاً للمجاملة، بل كان يولي تجربة المجلس الوطني النيابية اهتماما خاصا لكونها تجربة جديدة انطلقت بناءً على معايير مرحلية خاصة بمجتمع الإمارات وكان دوما يسعى لتطويرها وتدرجها وفي هذا المجال قال «أنا ليس عندي مانع من ان يختار المواطنون ممثليهم لكن تجربتنا في هذا المجال حديثة ولابد من التروي وأن نترك للمواطنين مجالا للتروي والدراسة قبل الإقدام على خطوة جديدة حتى تكون هذه الخطوة ناجحة وصحيحة».
ويشير بوملحة إلى ان زايد بهذه المقولة كان يعد الشعب للحياة النيابية بصورة تدريجية تؤدي إلى اختيار المواطنين ممثليهم مما يؤكد أن مسألة الانتخاب كانت واضحة وواردة في ذهنه منذ إنشاء المجلس الوطني الاتحادي.