مها عادل

عندما أطل مسلسل العرائس الشهير «بوجي وطمطم» على المشاهدين في رمضان عام 1983،كان هذا الحدث يعد تجسيداً لحلم المخرج محمود رحمي في تقديم وجبة رمضانية تليفزيونية متخصصة تمتع الكبار والصغار، وتقدم للأطفال رسائل تربوية مهمة حول السلوكيات والأخلاق والعادات والتقاليد من دون أن يشعر الطفل أنه يتلقى درساً تعليمياً أو توجيهاً مباشراً.
كان الحلم الذي كرّس رحمي عمره لتحقيقه هو المحرك لكثير من الأعمال التي قدمها للأطفال، فعمل في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي على خلق مجموعة من شخصيات العرائس، التي لاقت نجاحاً كبيراً بين الأطفال مثل «أرنوب» و«دبدوب»، ثم قدم شخصية «بقلظ»، الذي ارتبط طويلاً بمذيعة الأطفال الناجحة نجوى إبراهيم أو «ماما نجوى» كما عرفها أطفال الثمانينات والتسعينات.
وفي كل هذه الشخصيات، التي أبدعها رحمي كان يبحث دائماً عن الشخصية التي يمكن أن تتحول إلى أيقونة للأطفال المصريين والعرب بدلاً من اتجاههم للعرائس والشخصيات الأجنبية؛ مثل: «باربي» أو «السنافر» أو«ميكي ماوس» أو«جراندايزر» والتي قد تحمل إليهم فكراً أو سلوكيات أو قيماً تختلف أو تتناقض مع قيم مجتمعنا وخصوصيته الثقافية والسلوكية.
وكان مسلسل «بوجي وطمطم» هو التتويج لهذا الحلم،الذي رافق رحمي طوال مسيرته في عالم الفن والتليفزيون، ولعلها كانت المحاولة الأشهر والأكثر نجاحاً في خلق شخصيات من العرائس يرتبط بها أطفال الوطن العربي، وتكون نابعة من بيئتهم وتنطق بلغتهم وتتعامل مع تفاصيل حياتهم اليومية وتحترم ثقافتهم وتقاليدهم.
«بوجي وطمطم» لم يكن مجرد مسلسل تليفزيوني ناجح ارتبط بشهر رمضان الكريم وساهم في تشكيل وجدان أجيال من أطفال مصر وعالمنا العربي على مدى 18 عاماً فقط، ولكنه لا يمكن مقارنته عالمياً إلا بسلاسل شديدة التأثير مثل «عالم سمسم» الذي يعد النموذج الأشهر في التليفزيون الأمريكي في المزج بين التعليم واستخدام العرائس.
من الناحية الدرامية لعب المسلسل على التناقض بين شخصيتين محبوبتين، فهناك «بوجي»، وقام بالأداء الصوتي له النجم الكوميدي الكبير يونس شلبي، الذي كان يمثل الطفل الشقي المشاكس المتسرع الذي يرتكب الكثير من الأخطاء ويتورط في المشاكل رغم أنه طيب القلب، ولا يكابر في الخطأ، ويعترف به ويعمل على إصلاح سلوكه عندما يدرك عاقبة الأخطاء التي يرتكبها. وهناك شخصية «طمطم» المثالية التي تقدم النصح والإرشاد لبوجي وتمثل دائماً صوت العقل والحكمة والضمير، وقامت بأداء صوتها الفنانة الكبيرة هالة فاخر.
وجاءت عبقرية فنان العرائس والمخرج الفنان رحمي في رسم ملامح الشخصيتين فلم يقدم بوجي وطمطم في شكل طفلين بشكل صريح أو في شكل حيوانات لها مظهر آدمي كما فعل والت ديزني وهو يقدم «ميكي ماوس» و«بطوط» و«بندق»،ولكن رحمي جعل لهما ملامح مشتركة بين الإنسان والحيوان ف«بوجي» يحمل وجهه بعض ملامح القرد المشاكس الشقي كثير الحركة، وطمطم يمتلك أذنين يشبهان أذني الأرنب، وفي الحالتين لا يمكن لأحد أن يقرر إذا كان بوجي قرداً صريحاً أو طمطم أرنباً كاملاً، فالصفات البشرية لكل منهما تطغى على هذه الملامح الشكلية التي تجعلهما أكثر قرباً لعقلية الأطفال وطريقتهم في رؤية العالم، وهما في النهاية طفلان يعيشان في عالم سحري من الخيال، ولكنه أيضاً واقعي في كثير من التفاصيل ويحتوي على كل مكونات عالم الطفل في أي مدينة عربية، يحيط به شخصيات متنوعة مثل زيكا وزيكو وعم شكشك وطنط شفيقة وطماطم
ويحتفلون جميعاً بشهر رمضان وتدور الحياة من حولهم بنفس التفاصيل التي يعيشها الأطفال الحقيقيون في الجانب الآخر من الشاشة، وهذا ما ساهم في نجاح هذه الشخصيات لسنوات طويلة، وارتباط الأطفال بها من جيل إلى جيل، وحتى الأغنيات التي تم تقديمها بالمسلسل تم توظيفها بشكل تربوي وتثقيفي في إطار ممتع ومبهج ليرتبط في ذاكرة الأطفال والكبار ويستمر تأثيرها لسنوات ومن أشهر هذه الأغنيات «بطني بتوجعني» لبوجي والتي تحمل رسالة توعية بعدم الإفراط في الطعام حتي الامتلاء خاصة في الشهر الفضيل.