مارلين سلوم

هو من أكثر الأفلام التي اختلفت حولها الآراء، وتباعدت في تقييمه ما بين «جيد» و«فاشل». إذا كنت ذاهباً لمشاهدة «جيوستورم» بذهنية العالِم الفاهم، المحلل الباحث عن المنطق، فلن تجد متعتك، وستحكم على العمل بالفشل ولأسباب عدة، ومحقة. أما إذا كنت تدخل الصالة من أجل التشويق ومن أجل النجم جيرارد باتلر، ولترى الإمارات كيف تحولت إلى عنصر من الأحداث، فستخرج راضياً، ولأسباب عدة أيضاً.
كثيرة هي أفلام الخيال العلمي التي تتدفق على الصالات، وكثيرة تلك التي تتناول قصصاً حول الكوارث ونهاية العالم، وفي أغلبيتها تجد تلك الجرعة «الطفولية الساذجة»، حيث يظهر الشرير بأبشع صوره، ويحرك أعوانه لتنفيذ مخططه، والقضاء على البشرية. أحداث مقبولة في أفلام الصغار، لكننا نستغرب الإصرار عليها في أفلام الكبار، وفي زمننا هذا، حيث التطور التكنولوجي الكبير القادر على جعل الخيال أقرب إلى التصديق. وتتساءل مثلاً ماذا يستفيد هذا الشرير إن دمر الكرة الأرضية، وقضى على البشرية، فكيف سيحكم العالم، وحين ينتصر سيكون حاكماً على من؟ وفي «جيوستورم» تأتي تلك «السذاجة» لتنقلك من عالم الفضاء إلى البطولات الأمريكية الخارقة، والخالية من أي منطق.
«جيوستورم» فيلم ناجح بشروط التقنيات السينمائية والتشويق، والخيال «غير العلمي»، وهنا مربط الفرس، حيث تكمن نقاط ضعف العمل الذي يتجاوز المنطق، ويسقط من حساباته العِلم وكل الأبحاث وقوانين الفيزياء، والتغير المناخي الحقيقي. القصة التي كتبها دين ديفلن مع بول غيوت، تنطلق من عالم الفضاء جايك لاوسن (جيرارد باتلر)، المعروف عنه اندفاعه وتهوره، وفي الوقت نفسه براعته وذكاؤه العلمي المتفوق. يصدر بحقه حكم بالإبعاد عن «ناسا» وعن مشروعه الضخم «دتش بوي» الذي عمل عليه مع فريق من مختلف جنسيات مختلفة، من 17 دولة حول العالم، وأطلقوه بنجاح، وهو عبارة عن شبكة أقمار صناعية مصممة للسيطرة على المناخ العالمي، وحماية الأرض من الكوارث الطبيعية. وبسبب اندفاعه وحرصه على قول الحقيقة، تتم إزاحته ليتولى شقيقه الأصغر سناً ماكس (جيم ستورجس) إدارة المشروع.
يبتعد جايك، وتنقطع العلاقة بينه وبين أخيه، ويختار أن يعيش في مكان شبه معزول مع ابنته الوحيدة هانا، التي أدتها تاليثا بايتمان النجمة الشابة التي شاركت في أعمال عدّة هذا العام، منها الجزء الأخير من فيلم الرعب «أنابيل». لكن ارتفاعاً غير طبيعي في الحرارة يؤدي إلى تفجير أنابيب الغاز تحت الأرض في هونج كونج، ما أحدث كوارث وهدم مبان. يتم إطلاق جرس إنذار جديد، فيطلب مساعد الرئيس الأمريكي ليونارد ديكوم (إد هاريس) من ماكس استدعاء أخيه فوراً لإصلاح الخلل من الفضاء. وبما أن جايك هو «الرجل الوحيد» القادر على السيطرة على «داتش بوي»، وإصلاح الخلل في الأقمار الصناعية لمنع الكوارث الطبيعية والعاصفة «جيوستورم» التي تهدد الكرة الأرضية بالزوال، يعود العالِم سعيداً إلى المركبة ليكتشف المؤامرة الكبرى.
شبكة «داتش بوي» تضم فريقاً من الخبراء من جنسيات عدة، منهم محمود الباكستاني الذي يتم قتله على المركبة لأسباب يكتشفها جايك لاحقاً، بالتعاون مع المسؤولة الجديدة عن الفريق العالِمة الألمانية يوتي فاسبندر (ألكسندرا ماريا لارا). ومن ضمن فريق العلماء يظهر الممثل المصري عمرو واكد بدور الفرنسي راي دوست، الذي يعمل مباشرة مع جايك وفاسبندر لحل لغز المؤامرة، وكيف تم تحويل هذا المشروع العلمي إلى سلاح يتسبب بتقلبات مناخية متطرفة، وهبوب عاصفة ضخمة، بدأت تتحرك فعلياً لتضرب دولاً، منها إسبانيا ودبي..
ميزة دين ديفلن أنه يرفع حدة التشويق فيزرع الشك في الجمهور، فيترقب تحركات كل من يظهر على الشاشة، وله دور ولو بسيط في الأحداث، من فريق العلماء، والأخوين جايك وماكس، إلى خطيبة هذا الأخير سارة ويلسن (آبي كورنش) التي تعمل مسؤولة عن أمن الرئيس الأمريكي بالما الذي يجسده النجم آندي جارسيا. بل يقدم معلومات تأخذ الجمهور باتجاه الشك في الرئيس نفسه، لأنه هو الوحيد الذي يحمل رموز فك شيفرة «دتش بوي» التي تتيح تدميره من أجل منع كارثة الانقلاب المناخي. واللافت في الفيلم أنه أسند قيادة المطاردات البوليسية في الشوارع وحماية الرئيس لامرأة، وهو ما لا نراه عادة في السينما العالمية.
طبعاً جرعة الأكشن والمطاردات والألغاز عالية، وهي التي ترفع من أسهم العمل فيصير مقبولاً، ويتحول إلى فيلم بوليسي صرف في جزء المطاردات في الشوارع بين ماكس وخطيبته والرئيس بالما من جهة، وديكوم ورجاله من جهة أخرى. وفي هذا الجزء الكثير من الأكشن «الخرافي»، الذي لا علاقة له بالمنطق، أو العلوم، والفضاء، والمناخ.
من عادة أفلام الخيال العلمي أن تعيدنا بالزمن إلى عوالم ومخلوقات انقرضت، أو تحملنا إلى المستقبل البعيد جداً مع تقنيات خارقة. أما «جيوستورم» فهو يبتعد بقصته خطوتين فقط إلى الأمام، أي إلى عام 2019. لذا فمن الطبيعي أن تكون أحداثه قريبة من واقعنا الحالي، بكل ما فيه، ومن الضروري أيضاً أن ينطلق كاتباه ديفلن وغيوت من ركائز علمية منطقية، يقبلها العقل، وهو مدرك جيداً أن للسينما ضرورات تفرض إضافة البهارات وعوامل التشويق والمبالغة، لجذب الجمهور وتأمين أجواء الإبهار والمتعة في آن. لكن ما لا يتقبله عقل الجمهور، ويثير استنكار العلماء وكل من يفهم في الفيزياء والتغير المناخي.. كيفية اجتياح العاصفة الثلجية الكرة الأرضية خلال ساعات قليلة لتقضي على ملايين البشر، بينما تؤكد كل الدراسات والأبحاث والطبيعة ذاتها، بكل عواصفها التي مرت عبر التاريخ القديم والحديث، أن كل عاصفة مهما اشتدت، تحتاج إلى أيام لتنتقل من مكان إلى آخر، ويستحيل أن تقتل الملايين من البشر، وهو ما لم يحدث أبداً، حيث بلغ أقصى ارتفاع لعدد ضحايا كارثة طبيعية نحو 20 ألف شخص، وعلى امتداد أيام، وليس خلال يوم واحد، كما يؤكد العلماء في الواقع.
لا شك في أن ديفلن تفنن إخراجياً، خصوصاً في مشاهد تشكّل الغيوم، وتغير ألوان السماء.. وبفضل تقنيات الأبعاد الثلاثية والرباعية، يصير للفيلم قدرة أكبر على التأثير في المشاهدين في الصالات. وفي فيلم من نوعية «جيوستورم» تلعب التقنيات والمشاهدة الثلاثية الأبعاد دوراً مهماً في تقريب المسافة بين الجمهور والعمل.
الحرب الإلكترونية، أو الحرب الرقمية، هي العنوان العريض الذي يبرز في هذا الفيلم، حيث يتم التحكم في العالم عن بعد، وكذلك التحكم في المناخ، والفضاء، والكرة الأرضية، وحياة البشر «بكبسة زر». كان من الممكن أن يصل ديفلن إلى نتيجة أفضل، ويرفع من مستوى الفيلم لو أنه مشى على هذا الخط من دون التركيز على «الحبكة البوليسية» من أجل إضافة جرعة الأكشن، ما أضعف القصة وأفقدها توازنها. والأفضل لو أنه استعان بخبراء في علم الفضاء والمناخ، ليحبك قصته بكل الدراما والتشويق الذي يريده، إنما مع خيال علمي يمكننا أن نصدقه، أو نقتنع بإمكانية حدوثه، خصوصاً أنه لم يبتعد بأحداثه زمنياً سوى عامين، أو أقل، بينما حلّق خارج شروط الطبيعة. والاستناد إلى العلماء والخبراء في هذا الجزء من الفيلم، كان قادراً على نقله إلى مستوى الأعمال الجديرة بالمشاهدة أكثر من مرة، والصالحة لنيل جوائز، والأهم نيل احترام الجمهور وتقديره، لاسيما وأن الإبهار في الإخراج لم يعد «معجزة»، بل على المخرج الاجتهاد كثيراً لكسب ودّ الجمهور، لأن المنافسة أصبحت قوية، والتقنيات المتطورة متوفرة لجميع المخرجين حتى المبتدئين، والباب أمام الابتكار والمزيد من الخيال العلمي مفتوح.

دبي شاهدة على النهاية
دخلت الإمارات السينما العالمية من باب التصوير، فصارت أرضاً خصبة، يقصدها المخرجون وأهم شركات الإنتاج العالمية، لتصوير أفلامهم، أو بعض من مشاهدها على أرضها. وفي «جيوستورم»، تظهر الصحراء في مشهد هبوب العاصفة ووصولها إلى هنا، ثم نرى الشواطئ والأبراج في دبي، والتصوير الخارجي لأشهر المعالم، والداخلي من أحد المكاتب على شارع الشيخ زايد.. ويتزامن وصول العاصفة إلى برج خليفة الذي يبدأ بالتمايل، مع صراع جايك في المركبة الفضائية والقمر الصناعي، مسابقاً الزمن من أجل منع اكتمال الكارثة. دبي تشهد بعضاً من العاصفة العالمية، وفيها تكون نقطة نهايتها، ليُكتب للعالَم النجاة.

تناقض بين الرسالتين الأولى والأخيرة
من الأحداث اللامنطقية في الفيلم، عدم قدرة كل العلماء من مختلف الجنسيات وهؤلاء الموجودين داخل ناسا على الأرض، أن يفعلوا أي شيء، وبدوا كأنهم مجرد موظفين يتلقون الأوامر من شخص واحد، هو العبقري جايك لاوسون. هذا المشهد الختامي، والمفصل من أجل إتمام الحبكة الدرامية والتأثير بالمشاهدين، يتناقض مع كلام جايك والرسالة التي أراد أن يوصلها الكاتبان للمشاهدين في بداية الفيلم، حيث أكد أن مشروع «داتش بوي» هو ثمرة جهود علماء من 17 دولة، (باستثناء روسيا طبعاً) وليس للأمريكيين فقط. لكن ما رأيناه في الأحداث مختلف، والتضحية في النهاية، لا بد أن تُنسب إلى العالِم الأمريكي، ومعه معاونته الألمانية التي لم تكن لتستطيع شيئاً رغم إدارتها للمشروع مع فريق كامل، لولا وجود جايك وذكائه ونبل أخلاقه!.

[email protected]