مارلين سلوم

كاريزما، هيبة تبرز بوضوح عند الإطلالة، شخصية مؤثرة، جاذبة، فيها قدر من الجمال يمتع النظر، وقدر كبير من الأداء المقنع، مواصفات يجب أن تتوفر في «البطل» كي يستحق أن يكون بطلاً في عيون الجمهور، فما بالك إن كان البطل نجماً سينمائياً تجاوز الثالثة والسبعين من العمر؟ هنا تتوقع أن ترى كتلة من النضوج والخبرة تتحرك أمامك وكأنك ترى شريطاً مصوراً بعفوية ليوميات هذا النجم، لا يبذل مجهوداً لإقناعك، ولا تتعب من مشاهدته. كل ما ذكرناه، غير متوفر في سيلفستر ستالون، النجم الذي قرر أن يختم سلسلة بطولاته الأشهر في حياته الفنية «رامبو»، مقدماً الجزء الخامس «لاست بلود» ليفقد رصيده ومحبيه.
لا شك أنك تذهب إلى الصالة لمشاهدة سيلفستر ستالون، وفي ذهنك ذلك الجندي العائد من حرب فيتنام ليترك الجيش، ويستفيد من خبرته في القتال لصنع خطط للدفاع عن نفسه وعن المظلومين. ولا شك أنك استغربت قبل دخول «لاست بلود» من أن يصر ستالون على مواصلة تقديم شخصية جون رامبو، وهو اليوم في الثالثة والسبعين، والشخصية تتطلب مهارات عالية في القتال! تقنع نفسك بأنها «لعبة السينما»، والفارس لا يكون فارساً في الحقيقة، وصاحب العضلات غير رياضي بالأساس، والتقنيات تُمارس دورها في الرفع من قدرات النجوم. وبعد مشاهدة الفيلم تدرك أنك أصبت في استغرابك، لأن ستالون فقد بريقه، ولم يعد يملك من الأداء ما يقنعك.
هو يحتفظ بلياقته البدنية، وماهر في ركوب الخيل والتعامل معها. أما تمثيلاً، فأمامك رجل بارد، تماماً كتمثال من الشمع، أو روبوت يؤدي المطلوب منه بلا أي روح أو مشاعر أو انفعالات، وكأنه يؤدي الدور رغماً عنه، مع أننا نعرف أنه كتب كل الأجزاء السابقة من السلسلة، وشاركه في الجزء الخامس دان جوردن، وكان سيتولى الإخراج أيضاً، لولا الاختلاف في الأفكار والتردد قبل أن توكل المهمة إلى المخرج أدريان جرانبورج. وهو من تحمس للفيلم ليختم به رحلته مع شخصية جون رامبو الشهيرة، واعتبره مسك الختام، قبل أن يتراجع عن هذه الفكرة مع انتهاء التصوير وحماسه للعرض في الصالات، مبشراً الجمهور بعودة جديدة.
هذه المرة، ينطلق الجزء الخامس من حيث انتهى الفيلم السابق؛ يعيش رامبو في عزلة اختارها لنفسه بعيداً عن الناس، في مزرعة والده الهادئة، إسطبل وخيول، ومعه تسكن ماريا التي تعتني بالمزرعة، تؤديها النجمة الإسبانية المعروفة أدريانا بارازا، وحفيدتها جابريال (إيفيت مونريال). تقرر الأخيرة السفر إلى المكسيك للبحث عن أبيها الذي تركها وحيدة في طفولتها، مع أمها المريضة. يمنعها رامبو، لأنها لا تعلم شيئاً عن هذا الرجل «صاحب القلب الأسود»، وتتعهد بألا تغامر بالذهاب إليه بعدما علمت بمكانه من إحدى صديقاتها. صباح اليوم التالي تخرج جابريال بسيارتها كالعادة، لكنها تغير وجهتها وتنطلق سراً إلى المكسيك، حيث تجد والدها وتعيش صدمة كبيرة، بعد أن يطردها، ثم يتم خطفها ليفتح سيلفستر ستالون من خلال هذه الفتاة ملف اختطاف الفتيات والاتجار بهن والتسبب في مقتلهن بحقنهن بجرعات زائدة من المخدرات.
أداء إيفيت مونريال لافت ومقنع، والقضية مهمة لولا أن معالجتها جاءت على الطريقة المكسيكية مع البهارات الأمريكية. حرب تدور بين مختطفي الفتاة، الأخوين مارتينيز، يخسرها رامبو في الجولة الأولى، ويقرر الانتقام في الجولتين الثانية والنهائية.
أجمل ما في الفيلم، هو هذا الجزء الأخير، حيث يخطط الجندي الأمريكي لمعركة يجذب فيها العدو إلى عقر داره، مستغلاً الأنفاق التي حفرها تحت مزرعته، مستخدماً كل وسائل الهجوم والدفاع، ومختلف أنواع الأسلحة. المفروض أنه فيلم تشويق و«أكشن» وجريمة، لكن «الأكشن» يتأخر في الوصول، فيفقد الفيلم عنصر الجذب المهم في مثل هذه النوعية من الأفلام. أضف إلى ذلك أن مرحلة استعداد رامبو وتجهيز الإسطبل والمزرعة للإيقاع بعدوه، تذكرنا بأحد أشهر الأفلام الأمريكية العائلية «وحدي في المنزل» أو «هوم ألون»، حيث تكمن الخطة في استخدام مختلف الوسائل والأسلحة للتخلص من «الزوار» غير المرغوب فيهم واحداً واحداً.
«رامبو» شخصية ابتكرها دايفيد موريل وبداية ظهورها كانت عام 1982 مع «الدماء الأولى»، وهي التي منحت سيلفستر ستالون كل هذه الشهرة، كما دخل «رامبو» في سجل الشخصيات السينمائية الأكثر شهرة عالمياً، وتحوّل إلى أسطورة في «الأكشن» والقتال. واستمرت الشخصية تحقق نجاحاً وإيرادات عالية، لذا أراد مؤلف قصصها وبطلها ومخرج بعض أجزائها ستالون، أن يختمها ب «الدماء الأخيرة»، ثم عاد ليتحدث عن عودة أخرى للشخصية. والأفضل أن يكتفي بهذا القدر حفاظاً على صورة وشهرة «رامبو»، خصوصاً أنه لم يتألق سوى في الربع الأخير من الفيلم، ومقارنة التكلفة 50 مليون دولار بالإيرادات 47 مليوناً عالمياً، لا تصب في مصلحته.

[email protected]