مارلين سلوم

يمكنك أن تُسمي فيلم «نساء صغيرات» بالعمل النسائي الرائع، من التأليف إلى كتابة السيناريو والإخراج والبطولة الرئيسية، وهي جماعية، إلى الروح التي تسوده طوال الساعتين وربع الساعة، والقضية المهمة التي يعالجها. فيلم لم ينل ما يستحقه من جوائز في الأوسكار؛ إذ نال فقط أوسكار أفضل تصميم للأزياء لجاكلين دوران إلى جانب 67 جائزة عالمية أخرى؛ لكنه نال إعجاب الجمهور والنقاد، وحقق إيرادات عالية، وننصح بمشاهدته في الصالات؛ لما فيه من متعة تسعد الناظر إلى الصورة والإخراج والأزياء ورقي وجمال تلك الحقبة التي تعود بنا إلى الفترة بين 1861 و1865 خلال الحرب الأهلية الأمريكية.
«نساء صغيرات»، فيلم مأخوذ عن رواية للكاتبة الأمريكية لويزا ماي ألكوت صدرت في جزأين، الأول عام 1968، والثاني 1969.
أنت أمام مجموعة من الوجوه والنساء، بعضهن أمامك على الشاشة، والأخريات يقدن دفة العمل من خلف الكواليس. في السيناريو والإخراج جريتا جيرويج، التي اختارت أن تعيد عرض رائعة «نساء صغيرات». وهل هناك أفضل من المرأة؛ كي تكتب عن أوجاعها وأحلامها وطموحاتها بدقة وجمال ومنطق يقنعك بأنه حقيقة؟
حين تمردت بأفكارها لويزا ماي ألكوت على القيود التي كانت تكبّل المرأة في المجتمع الأمريكي، وكتبت «نساء صغيرات» لم تدرك طبعاً أنها تكتب للأجيال اللاحقة أيضاً، وأن روايتها ستعيش حتى زمننا هذا، وتنتقل من ذلك البيت المتواضع لعائلة مارش (أبطال الرواية) في ماساشوسيتس، إلى الشاشة الكبيرة أكثر من مرة؛ لتؤديها بحب نجمات جميلات. أطلت إيما واتسون هذه المرة بدور ميج، الابنة الكبرى لعائلة مارش، الراضية بكل شيء، والهادئة الحالمة بالزواج، مثلها مثل كل بنات جيلها، فحظيت بزوج من الطبقة المتوسطة والتي بوقتها لم تكن تختلف كثيراً عن الطبقة الفقيرة، وهو أستاذ شاب عاشت معه بلا أي تذمر، مع تحملها مسؤولية شقيقاتها خصوصاً في ظل وجود الأب في الخدمة، وغياب الأم عن المنزل؛ حيث تم استدعاؤها حين أصيب زوجها. والابنة الثانية جو، وتؤديها ببراعة ساويرس رونان، هي الأكثر تميزاً؛ كونها الكاتبة «مؤلفة نساء صغيرات»، والتي تتحمل العبء الأكبر من الفيلم، وتشكل نقطة التقاء لجميع الشخصيات والأحداث، متمردة تبحث عن تحقيق أحلامها، وفي نفس الوقت مساعدة أهلها في مصاريف الأسرة واحتياجاتها. أما الابنة الثالثة فهي إيمي (فلورنس بوج) التي تحب الرسم، وتسافر مع عمتها إلى باريس؛ علّها تصبح مشهورة، وتتزوج من رجل ثري هناك. الابنة الصغرى بيث (إليزا سكانلين) عازفة بالفطرة، هادئة مستكينة، تصاب بالحمى فتعيد لم شمل الشقيقات بعد فراقهن؛ بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وسعي كل واحدة منهن إلى تحقيق ذاتها بطريقتها.
التزمت جيرويج بخط المؤلفة؛ لكنها وضعت بعض البصمات الخاصة، متنقلة مع بطلاتها بين الواقع وذكريات الطفولة والماضي غير البعيد. تشعر وكأنك تمشي بين خطوط متعرجة، وبفضل حسك ودقة ملاحظتك تتوصل إلى التمييز بين مشاهد الماضي والحاضر، والخيط الأساسي الفاصل بين المرحلتين، هي الألوان التي تبهت حين تعود بنا المخرجة إلى الذكريات، ثم تنتعش وتزهر في الأحداث الحاضرة. نقلات سريعة ومتتالية تتركك تائهاً أحياناً، خصوصاً أن ملامح الفتيات لا تتغير كثيراً في بعض اللقطات، ولا يرجع بهن الزمن في القصة إلى الوراء البعيد كي نلاحظ الفرق، ويسهل علينا الفصل بين ما كان وما يحصل. جو فتاة تكتب القصص وتؤلف مسرحيات تقوم ببطولتها وتصميم أزيائها مع شقيقاتها، مجسدات الأدوار النسائية والرجالية على السواء. بجرأتها، تقرر أن تبيع الرواية الأولى لها، فتقصد ناشراً معروفاً في نيويورك (تريسي ليتس)، تقدم له الرواية مدعية أنها لصديقتها. الحوار بين جو والناشر يكشف الكثير من قيود المجتمع وتقاليده، والتي تحرص الكاتبة على تجسيدها في كل مشهد من العمل. يقول لها مثلاً الناشر، إن المرأة في الروايات يجب أن ينتهي بها الأمر إما متزوجة أو ميتة، وما عدا ذلك لن يتقبل القرّاء القصة ولن يتفاعلوا معها، فتفشل، علماً أن جو نفسها تحاول مقاومة فكرة الزواج؛ من أجل المحافظة على حريتها وتحقيق طموحاتها، لا سيما الكتابة ونشر الروايات، في ظل مجتمع ليبرالي يرفض نيل المرأة حريتها والتحلي بالكثير من الجرأة والاعتماد على الذات بعيداً عن الزواج وتأسيس أسرة.
معاناة المرأة في تحقيق ذاتها وطموحها، تتجلى أيضاً في الأم مارمي (لورا ديرن) التي تفاجئنا بالتعبير عن حالة كبت المشاعر والرضوخ للظروف، في حوار رائع بينها وبين جو؛ حيث تقول الأم بشيء من الهمس كي يبقى الاعتراف سرياً بينهما: «كنت غاضبة في كل يوم من حياتي»، لتشكل صدمة لابنتها وللمشاهد؛ إذ تبدو طوال الوقت مبتسمة راضية سعيدة وصابرة! هذا الغضب لم تترجمه إلى فعل؛ بل تعلمت كيف تكتم مشاعرها وتصمت؛ كي تتمكن من مواصلة الحياة، إلى أن بلغت مرحلة متقدمة من القناعة والتصالح مع الذات. العمة مارش (ميريل ستريب) نموذج مختلف لحال المرأة فاحشة الثراء، ويتجسد في تعنتها والكلام الذي تردده على مسامع الشقيقات الأربع حول أهمية الزواج وتذوق الفن والمحافظة على المظهر اللائق، ثم سفرها إلى فرنسا؛ باعتبارها عاصمة الفن والرسم، آخذة معها إيمي؛ لتنمي موهبتها.
جريتا جيرويج مخرجة لا تتركك جالساً على مقعدك مستسلماً للمشاهدة؛ بل توقظ كل حواسك وتلزمك على التفكير والتحليل وترقب الأحداث والسعي لفهم ما يحصل، وتثير فيك الفضول لمعرفة إلى أين ستصل جو بإصرارها وعنادها، وهل ستتمكن من الالتزام بالخط التقليدي للمجتمع بكتابة نهاية سعيدة للمرأة في روايتها؟ لولا كثرة تنقلها بين مشاهد الحاضر والماضي طوال الفيلم، لبلغنا ذروة المتعة خصوصاً أن الفيلم يستند إلى رواية فلسفية وقصة اجتماعية رومانسية، تسرد واقع المرأة في ذلك الزمن، وواقع الحياة والمجتمع، مع مرورها على الحرب الأهلية بشكل غير مباشر، دون الغوص في السياسة أو المعارك، ودون الانحياز لطرف دون الآخر.
الفيلم تمكن من تحقيق أكثر من 192 مليون دولار كعوائد حول العالم، بينما بلغت كلفته 40 مليوناً.

[email protected]