تبدو العلاقات بين «الإخوان» المسلمين وإيران غريبة للوهلة الأولى، فما بين الطرفين مختلف جداً مذهبياً وعقدياً وأيديولوجياً، لكن هذا الاختلاف الذي يبدو فكرياً يتجاوزه الطرفان؛ لأن ما يجمعهما عملياً أكثر مما يفرقهما نظرياً، وهو وحدة الهدف والانتهازية السياسية التي يسميها البعض تقية سياسية، والبعض موالاة في العقيدة وأخوة في الدين. والحقيقة التي لا تغطيها كف هي أن الطرفين توحدهما المطامع، ويقبل بعضهما البعض حتى تحقيق غايته أو هدفه، ما دام الطرفان يتبنّيان المبدأ الميكيافيللي نفسه «الغاية تبرر الوسيلة»، ويتبنّيان الأساليب نفسها للوصول إلى الهدف.
فإيران الولي الفقيه تتبنّى مبدأ تصدير الثورة إلى الجوار الخليجي، والهيمنة على الدول العربية الكبرى، من الداخل عبر الوكلاء والموالي والحلفاء إلى حين، وتحقيق حلم الهلال الشيعي على أرض الواقع. و«الإخوان» المسلمون يريدون أن تسيطر الجماعة على الدول العربية كافة. وعلاقات الودّ والغزل المتبادل بين «الإخوان» وإيران الثورة الإسلامية قديمة، وليست وليدة السنوات القليلة الماضية، فقد كان رجال الدين الثوريين في إيران على عهد الشاه يجدون في حركة «الإخوان» نموذجاً يستلهمونه، وقد وجد «الإخوان» في الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الخميني نموذجاً للاستلهام وفتح شهيتهم للوصول إلى السلطة.
البداية ليست من التاريخ ولكن من الثلاثاء الماضي فقط عندما أعلنت وزارة الداخلية في طاجيكستان بأن الشخص الذي هاجم سائحين اجانب وتسبب في مقتل أربعة منهم بعد ان دهسهم بسيارته ، قد تلقى تدريبه في إيران، وأكدن الوزارة في بيانها أن الإرهابي عضو في حزب النهضة الإسلامية المحظور، الذي يمثل حركة «الإخوان المسلمين» ويتزعمها «امحيي الدين كبيري»
هذه الواقعة تؤكد عمق العلاقة حديثاً .. ولكن تاريخيا فهناك مئات الأحداث والوقائع ،والتي تؤكد أن إيران والإخوان حلفاء الأمس واليوم.. وقد ذكرت مصادر مكتوبة وشهادات لقيادات «إخوانية»، أن بعض الشخصيات الإيرانية التي ذاع صيتها فيما بعد، زارت مصر الملكية للالتقاء بمؤسس جماعة «الإخوان» المسلمين حسن البنا. وتذكر هذه المصادر أن محمد تقي الدين القمي، وآية الله الكاشاني وتلميذه آية الله الخميني، ونواب صفوي مؤسس حركة «فدائيان إسلام»، (فدائيو الإسلام) الثورية المناوئة للنظام الشاهنشاهي السابق زاروا مصر والتقوا البنا؛ بل إن صفوي كان ضيفاً على دار «الإخوان» بالقاهرة، حيث ألقى حديث الثلاثاء، واحتفى به «الإخوان» شديد احتفاء.
وسر ترحيب «الإخوان» بصفوي أنه كان يتبنّى نهجـهـم فـي العنف، حيث كانت حركـته صنواً للتنظيم الــسري فـي الجمـــاعة، وتورطت هذه الحـركة في تنفيذ عمليات اغـتيال لرجالات الحكومة وتصفية الخصوم، ولم يكن صفوي يرى فرقاً بين جماعته و«الإخوان» المسلمين.
وبعد إعدام صفوي، نعاه «الإخوان» وامتدحوا شخصيته وأثنوا على أعمال العنف التي كانت جماعته تنفذها. ووصفه المرشد «الإخواني» السابق محمد حامد أبو النصر، بأنه «الزعيم الإيراني المسلم الشهيد»، واعتبر «الإخواني» التونسي راشد الغنوشي حركة «فدائيان إسلام» بأنها امتداد لـ«لإخوان» المسلمين.
وأثمرت زيارة القمي إلى البنا، إنشاء «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، ومطالبة «الإخوان» بفتح رواق للمذهب الشيعي في الأزهر الشريف، على أن يدرّس هذا المذهب على يد علماء من إيران.
وقد كانت حركة «الإخوان» المصرية مصدر إلهام لرجال الدين المعارضين للشاهنشاهية، وقد ترجم علي خامنئي (المرشد الإيراني الحالي) كتابين من كتب سيد قطب هما: «هذا الدين» و«معالم في الطريق»، وهذا الأخير هو إنجيل الحركات الإسلامية الثورية والمتشددة والجهادية في العصر الحديث.
كان نجاح الثورة الإسلامية بقيادة الخميني حاسماً في دفع دماء جديدة في شرايين جماعة «الإخوان» المسلمين، فقد رحّبوا وأيدوا وساندوا هذه الثورة من غير تحفظات.
فعلى المستوى الفكري سارع «الإخواني» المصري محمد عبد العزيز إلى إصدار كتيب أكد فيه أن انتصار الثورة الإسلامية الشعبية في إيران، أمر قابل للتكرار في دول عربية وإسلامية أخرى، وحاول أن يستلهم الدروس المستفادة من تجربة الثورة الشعبية الإسلامية في إيران لتطبيقها في مصر ودول أخرى.
وقال الغنوشي إنه بنجاح الثورة في إيران «يبدأ الإسلام دورة حضارية جديدة»، وأضاف: «إيران اليوم بقيادة آية الله الخميني القائد العظيم والمسلم المقدام، هي المنتدبة لحمل راية الإسلام»، وأشار إلى أن الحركة الإسلامية تنحصر في ثلاثة تيارات، هي جماعة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية بباكستان»، وحركة «الإخوان» في إيران. حصر زعيم «الإخوان» في لبنان فتحي يكن المدارس التي تتلقى منها الصحوة الإسلامية عقيدتها ومفاهيمها، في ثلاث مدارس، مدرسة حسن البنا، ومدرسة سيد قطب، ومدرسة الخميني.
وقـد أيد «الإخوان» فوراً الثورة الإسلامية في إيران، ومما قاله القيادي «الإخواني» يوسف ندا، مفوّض العلاقات الخارجية في التنظـيم الدولي، في روايته كـ«شاهـد على العصر على قناة الجزيرة الفضائية، إن الإخوان شكلوا وفداً لزيارة الخميني في باريس لدعمه، وإن ثالث طائرة تهبط في مطار مهراباد الدولي في طهران بعد طائرة الخميني، هي طائرة خاصة تم استئجارها حملت الوفد «الإخواني» الذي ضمّ قيادات الجماعة من عدة دول، والذي قدم لإيران لتهنئة الخميني على نجاح الثورة».
سار «الإخوان» في العراق على خطى «الإخوان» في مصر بالوقوف إلى جانب إيران عندما اشتعلت الحرب العراقية الإيرانية (حرب ثماني سنوات 1980-1988)، وكانت بيانات «الإخوان» جلية الوضوح باصطفافها إلى جانب نظام الخميني ضد حكومة بغداد.
ولم يستنكف «إخوان» العراق أن يقبلوا بولاية الفقيه كمبدأ لمستقبل العراق، باعتبار الخميني قائد الأمة الإسلامية، وباعتبار أن الحكومات والدول محدودة بالحدود الدولية، ولكن الإمام ليس محدوداً بعوائق جغرافية.
وكان «الإخوان» إلى جانب إيران في حربها ضد نظام صدام حسين (حرب ثماني سنوات 1980 -1988)، ولم يكن التنظيم الدولي لـ«لإخوان» ببعيد، فقد أصدر بياناً موجهاً إلى الشعب العراقي، هاجم فيه بغداد وصدام لمصلحة طهران، ومجّد الخميني، وشعبه الفارسي على حساب العراق وشعبه العربي، واتهم البيان النظام العراقي بالعدوان على إيران من أجل ضرب الحركة الإسلامية، وإطفاء شعلة التحرير الإسلامية التي انبعثت من إيران، بل وحرض التنظيم الدولي لـ«لإخوان» الشعب العراقي على الخروج على النظام العراقي، والانضمام إلى معسكر الثورة الإسلامية في إيران.
وفي السياق نفسه أيد «الإخوان» في مصر إيران على حساب العراق، ووصموا نظام صدام حسين بالمعتدي، وبرروا تمدد إيران في الأرض.
وفي المقابل تبادل إيران الثورة الإسلامية «الإخوان» وداً بود.
فقد رفضت إيران أن تصنف «الإخوان» جماعة إرهابية، بينما النظام يصف الإيرانيين السنة بأنهم إرهابيون وتم إعدام الكثير من قادتهم بهذه التهمة.
ومن الغريب أن لجماعة «الإخوان» الإيرانية حضور في الجمهورية الإسلامية، وهي جماعة نشطة يرأسها المدعو عبد الرحمن بيراني، وعلاقتها ممتازة بالنظام الإيراني، وقد سمحت السلطات الإيرانية لـ«لإخوان» بأن يتظاهروا في أحد أشهر ميادين طهران، رافعين شعار رابعة العدوية ومنددين بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2014.
ويجري بيراني زعيم «الإخوان» في إيران، لقاءات رسمية مع المسؤولين الإيرانيين بصفته أميناً عاماً لـ«لإخوان» في إيران، وتستقبله شخصيات بارزة في النظام الإيراني، ويصدر بيانات سنوية لا تزال منشورة في الموقع الإلكتروني للجماعة، يبارك فيها الثورة الخمينية ويجدد الولاء للمرشد خامنئي ويعتبره مرشداً له.
يثور سؤال ألا يدرك «الإخوان» المسلمون الخطر الذي تمثله إيران وأطماعها في المنطقة؟ ولماذا يتحالفون مع طهران التي يرى الجميع في العالم العربي محاولاتها لتصدير الثورة، واحتلال العواصم العربية، وتدخلها الطائفي والمذهبي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، ودعم الأعمال التخريبية في البحرين والسعودية والكويت، ومحاولتها شق الصف الفلسطيني وتطوير أسلحة دمار شامل؟
في شهادته على العصر، كشف يوسف ندا، عن موقف التنظيم الدولي لـ«لإخوان» من إيران الثورة الإسلامية، ففي الوقت الذي كانت فيه إيران محاصرة بعد احتلال السفارة الأمريكية والحرب مع العراق، كان التنظيم الدولي عبر مؤسساته المالية والتجارية يوفر لإيران ما تحتاجه من مواد غذائية مستوردة، ومن مواد صناعية وذات استخدام مزدوج، وقال في هذا الصدد إن الخلاف المذهبي بين الطرفين، لم يؤثر على المساحة المشتركة بينهما، مستشهداً بقول شهير للإمام الشافعي، مع تحويره بتصرف: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
وقد عبر المرشد «الإخواني» عمر التلمساني في مقال شهير في 1985 عن فلسفة الجماعة في التقارب مع إيران وقال: «إن توجه الإخوان يقوم على إحسان الظن بالمسلمين وعدم التدقيق في خلفياتهم العقدية، خاصة إذا كانوا في صراع مع القوى المعتدية على الأمة الإسلامية».
وأضاف: إن «التقريب بين الشيعة والسنة واجب الفقهاء الآن. وبعيداً عن كل الخلافات السياسية بين الشيعة وغيرهم، فما يزال «الإخوان» المسلمون حريصين كل الحرص على أن يقوم شيء من التقارب المحسوس بين المذاهب المختلفة في صفوف المسلمين».
وفي المقابل قال علي أكبر ولايتي مستشار المرشد خامنئي للشؤون الخارجية، في ندوة عن الصحوة الإسلامية عقدت في مدينة مشهد: «إنّ الإخوان المسلمين هم الأقرب إلى طهران بين كافة المجموعات الإسلامية». وإيران لا تخفي سعيها الحثيث لضم مصر إلى حلف يجمعهما يمثل جناحي الأمة الإسلامية، وكان القيادي «الإخواني» السابق ثروت الخرباوي قد كشف عن علاقات سرية وممتدة بين «الإخوان» وإيران. وبعد اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات على يد الإسلاميين، سارعت إيران إلى إطلاق اسم خالد الإسلامبولي (قاتل السادات) على أكبر شوارع طهران، والاحتفاء به فـي الشوارع عبر تعليق صور ضخمة له.
كان لافتاً أن الخطاب الوحيد الذي ألقاه المرشد الإيراني خامنئي باللغة العربية، هو ذلك الخطاب الذي وجهه إلى ثوار مصر أثناء ثورتهم على حسني مبارك في 2011، حيث حثهم على استكمال الثورة، معرباً عن إعجابه ببعض الشخصيات «الإخوانية» التاريخية.
وبمجرد أن تولى الرئيس المعزول محمد مرسي السلطة فتح أبواب مصر لإيران، فزار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد القاهرة بدعوة رسمية من مرسي للمشاركة في مؤتمر إسلامي، وخطب في جامع الأزهر الشريف، كما أن زيارة مرسي لطهران عام 2012 للمشاركة في مؤتمر دول عدم الانحياز، كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً من المقاطعة، دليلٌ آخر على الصلة الوثيقة بين الطرفين.
ووجدت إيران في «انتخاب» محمد مرسي فرصة سانحة للتمكين بمعناه الأمني، وهو الذي يشرف عليه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني.
وكشفت صحيفة التايمز البريطانية عن زيارة قام بها سليماني إلى القاهرة لمدة يومين، للتباحث مع مسؤولين كبار قريبين من مرسي، بعد أن طلبت حكومته سراً المساعدة من إيران لتعزيز قبضتها على السلطة»، وتزامنت تلك الزيارة مع لقاء أجراه مدير المخابرات الإيرانية مع مستشار مرسي، عصام حداد في الثامن من يناير 2013.
وقد أكدت التحقيقات في قضية اقتحام السجون أن «الإخوان» ساعدوا في إخراج سجناء خلية «حزب الله» اللبناني في سجن النطرون في 2011، وتهريبهم إلى خارج مصر، في تأكيد للعلاقة الوثيقة بين «الإخوان» وإيران وربيبها «حزب الله» اللبناني.
أصدقاء بالوثائق
تعتبر إيران «الإخوان» المسلمين حلفاء إن لم يكونوا أصدقاء في البلدان العربية التي تسعى لأن ترسخ حضورها فيها. فعلى الرغم من الدم الغزير الذي سال في سوريا بسبب المواجهات العنيفة بين نظام حافظ الأسد و«الإخوان» في سوريا، في الثمانينات، فقد قادت إيران جهود الوساطة بين الطرفين. كما أن طهران توسطت بين «الإخوان» ونظام بشار الأسد، لتحييد الجماعة في الحرب الأهلية السورية المندلعة منذ 2011.
وقد كشفت وثائق صادرتها المخابرات الأمريكية من مقر إقامة زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن في أبوت أباد شمالي إسلام أباد في 11 مايو 2011، رسائل من ابن لادن إلى اتباعه باللجوء إلى إيران بعد مغادرة أفغانستان، وعدم التعرض للمصالح الإيرانية في العراق، وفي الوثائق حديث واضح عن المصالح المشتركة بين «الإخوان» والتنظيمات التي خرجت من عباءتهم وإيران.