لورانس ديفيدسون *

قبل قرن مضى، وعدت قوى أوروبية الأكراد بدولة خاصة بهم، ولكنها سرعان ما تراجعت عن وعدها، ما ترك دعاة الاستقلال الأكراد في حالة غضب على مدى أجيال.
في عام 1916، وسط احتدام الحرب العالمية الأولى، عقدت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس - بيكو المخزية. واستخدمت القوتان هذه الاتفاقية بأسلوب إمبريالي من أجل تقاسم الشرق الأوسط بينهما.
وكان عقد الاتفاقية مجازفة، نظراً لأن الحرب كانت في مأزق، بينما بريطانيا وفرنسا لم تكونا واثقتين من أنهما ستنتصران في تلك الحرب. ومع ذلك، مضتا قدماً في عقد الاتفاقية، وبذلك اتخذتا قرارات لا تزال تؤثر في المنطقة حتى يومنا هذا.
إن ما جعل اتفاقية سايكس - بيكو مخزية، أنها نكثت بوعد مهم للعرب. ففي العام 1916، دخل العرب الحرب ضد العثمانيين على أساس وعد بريطاني بدعم إقامة دولة عربية واحدة كبيرة. ولكن ذلك الوعد كان يتناقض دائماً مع الطموحات الإمبريالية لبريطانيا وفرنسا، اللتين تآمرتا سراً في النهاية على الغدر بحليفهما العربي. ومن بين نتائج ذلك الغدر أن «الدولة العربية الواحدة» تحولت إلى مجموعة دول منفصلة، في حين أن فلسطين (التي كان يفترض بموجب الوعود الغربية أن تكون جزءاً من الدولة العربية الواحدة) ستصبح «الوطن القومي لليهود» حسب التعبير البريطاني.
واتفاقية سايكس - بيكو تضمنت تغييراً آخر. فقد شملت إقامة دولة للأكراد باسم كردستان، ستتشكل من أراضٍ كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية المهزومة. وتم تضمين هذا الوعد للأكراد في معاهدة سيفر في 1920.
غير أن الأكراد، الذين كانوا على علم بخيانة القوى الغربية للعرب، لم يفاجأوا عندما غدر بهم البريطانيون والفرنسيون. إذ إن معاهدة لوسيرن في 1923 عدلت معاهدة سيفر وتجاهلت مسألة إقامة دولة كردية. ومع ذلك، فإن الأكراد لم يتخلوا أبدا عن هدف إقامة دولة خاصة بهم.
ولنتقدم الآن عبر التاريخ إلى يوم 19 مارس/آذار 2003 المشؤوم، عندما غزا الرئيس الأمريكي جورج بوش العراق متذرعاً بأعذار مختلفة، مثل امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل وتآمره لاغتيال والد بوش (الرئيس السابق). وكان بوش يسعى لتحقيق حلم (أو بالأحرى كابوس) «تغيير النظام» من أجل جعل الشرق الأوسط منطقة خاضعة لنفوذ الولايات المتحدة و «إسرائيل». غير أن الغزو أطلق قوى لم يستطع بوش والولايات المتحدة السيطرة عليها. ومن بين عواقب ذلك الغزو كان تفكك العراق.
وقد أثار ذلك الغزو مشاكل لا حصر لها، من بينها سعي الأكراد لإقامة دولة خاصة بهم. وأصبح الأكراد قوة مقاتلة متحالفة مع الغرب في أعقاب غزو العراق والحرب الأهلية السورية التي تلته. وهذه الفوضى التي عمت المنطقة أتاحت ظهور تنظيم «داعش»، الذي أصبح تهديداً لمعظم دول المنطقة.
واضطلع الأكراد بدور مهم في محاربة «داعش»، وكان أحد أهدافهم هو توفير ظروف ملائمة لإقامة دولة كردية. ولكن بالنسبة للقوى الإقليمية (سوريا، العراق، تركيا وإيران)، فإن احتمال إقامة دولة كردية مستقلة هو من المحرمات.
وما زاد من تعقيد المسألة الكردية هو التدخل «الإسرائيلي» في هذه القضية.
و«إسرائيل» كانت تدعم منذ وقت طويل إقامة دولة كردية مستقلة، ليس لأن الأكراد لهم «حق» في دولة، وإنما بالأحرى لأن «إسرائيل» كان لديها هدف رسمي غير معلن هو «بلقنة» العالم العربي. ولهذا كانت «إسرائيل» تشجع وتغذي دائماً الاضطرابات العرقية والطائفية بهدف زعزعة استقرار الدول العربية.
ولكن بالرغم من تصويت الأكراد لصالح الاستقلال، في استفتاء نظمته حكومة إقليم كردستان مؤخراً ولم تعترف به بغداد، فإن زعماءهم يدركون أن تحقيق هذا الهدف لن يتحقق إلاّ إذا حدث المستحيل، أي إذا استطاع الأكراد الانتصار في حرب طويلة الأمد ضد العراق وتركيا وإيران. و«إسرائيل» ليست في موقع جغرافي يمكنها من مساعدة الأكراد. ولهذا فإن الأكراد سيكونون عاجزين عن خوض مثل هذا الصراع الطويل الأمد، وبالتالي عن تحقيق حلمهم بإقامة دولتهم الخاصة.

* كاتب أمريكي وبروفسور التاريخ في جامعة «ويست شيستر» - موقع «كونسورتيوم نيوز»