تأليف:
نيلسون مانديلا وتحرير ساهم فينتر

عرض وترجمة:
نضال إبراهيم

خلال فترة سجنه البالغة 10052 يوماً، كتب المعتقل السياسي نيلسون مانديلا، الذي سيصبح لاحقاً زعيم جنوب إفريقيا، العديد من الرسائل إلى سلطات السجن، وزملائه الناشطين، والمسؤولين الحكوميين، وزوجته الشجاعة ويني، وأطفاله الخمسة، لكن الكثير منها لم يجد النور حتى اليوم.. في هذا الكتاب نجد أمامنا الآن، 255 من هذه الرسائل التي تقدّم رؤية استثنائية حول كيفية حفاظ مانديلا على حياته الروحية وهو يعيش في عزلة شبه كاملة، وكيف ارتبط مع عالم خارجي أصبح غاضباً بشكل متزايد بسبب محنته.
اعتقل نيلسون مانديلا في عام 1962 عندما كثف نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا حملته الوحشية ضد المعارضين السياسيين. لم يدرك المحامي البالغ من العمر أربعاً وأربعين عاماً والناشط في المؤتمر الوطني الإفريقي أنه سيقضي السنوات السبع والعشرين القادمة في السجن. فكانت هذه الرسائل بمثابة تنفيس له ضد واقع أراد أن يغيره نحو الأفضل.
تم تنظيم الكتاب حسب التسلسل الزمني والمنقسم بحسب الأماكن الأربعة التي احتُجز فيها كسجين محكوم عليه، في سجن بريتوريا المحلي، حيث احتُجز مانديلا في أعقاب محاكمته عام 1962. في عام 1964، تم نقل مانديلا إلى سجن جزيرة روبن، حيث تم التخفيف عنه من خلال السماح بالزيارات وتلقي رسائل من العائلة. بعد ثمانية عشر عاماً، تم نقل مانديلا إلى سجن بولسمور، وهو مجمع كبير خارج كيب تاون يحتوي على أسرّة وطعام أفضل، ولكن كان هو وأربعة من رفاقه في زنزانة على السطح، باستثناء بقية نزلاء السجن. وأخيراً، أُخِذ مانديلا إلى سجن فيكتور فيرستر في عام 1988، حيث احتجز حتى إطلاق سراحه في 11 فبراير/شباط 1990.
ومع وجود رسائل فاكس مصاحبة لبعض رسائله الفعلية، يكشف هذا الكتاب البارز كيف دافع مانديلا، وهو محامٍ خلال فترة التدريب، عن حقوق الإنسان الخاصة بالسجناء. كما تكشف رسائله أنه كان أباً محباً، فقد كتب إلى ابنته مثلاً: «أحيانًا أتمنى أن يخترع العلم المعجزات، وأن يجعل ابنتي تحصل على بطاقات عيد ميلادها المفقودة ويسعدها أن تعرف أن أباها يحبها»، في إدراك منه أن الصور والحروف التي كان قد أرسلها كانت قد اختفت ببساطة.

جولة إفريقية

تتحدث المحرّرة عن مانديلا ورسائله خلال فترة سجنه في 1962-1963 بداية إذ تقول: «لمدة ستة أشهر فقط وخلال جولته السرية خارج جنوب إفريقيا إلى البلدان الإفريقية والمملكة المتحدة، عاش مانديلا حياة رجل حر عندما لم يخضع لقواعد نظام الفصل العنصري واستطاع التنقل كيفما شاء».
«في يوم الخميس 11 يناير/كانون الثاني 1962 غادر جنوب إفريقيا سراً عن طريق البر في جولة إلى الدول الإفريقية المستقلة حديثاً، وقد طلبت منه المجموعات السرية في منظمته (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي) التحدث في مؤتمر للدول الإفريقية في إثيوبيا، وأيضاً السفر عبر القارة الإفريقية لجمع التبرعات المالية والدعم للمضي قدماً في النضال. قبل عامين من هذا التاريخ، أي في عام 1960، تم حظر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وبعدها بعام كان الإجماع بحتمية الكفاح المسلح في حملة المطالبة بالحقوق العادلة والديمقراطية في جنوب إفريقيا.
خلال منتصف العام 1961 قرّر التنظيم تشكيل جناح عسكري له فكانت ولادة: «امكهونتو ويه سيزويه» (رمح الأمة)، وقد بدأ كفاحه بسلسلة من التفجيرات ضد الأهداف الاستراتيجية بغرض تجنب خسائر في الأرواح.
كما تتحدث المحرّرة عن حالة مانديلا المزرية في تلك الأيام: «مانديلا بصفته خصماً لنظام الفصل العنصري لو تقدم بطلب الحصول على جواز سفر لتم رفضه من قبل هذا النظام، أضف إلى ذلك أنه كان مطلوباً من قبل الشرطة لمواصلته الأنشطة السرية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي المحظور. لذلك سافر باسم «ديفيد موتساماي» وهو اسم مستعار من عميل في مكتبه الحقوقي، واستخدم على الأقل جواز سفر واحداً مزوراً، قدمت له إثيوبيا واحداً، ويقال إن السنغال فعلت ذلك أيضاً».
«أخذته هذه الرحلة إلى ست عشرة دولة إفريقية مستقلة. في حينها تلقى التدريب العسكري في اثنتين منها: المغرب وإثيوبيا. خلال ذلك زار لندن لفترة عشرة أيام، حيث التقى برفاق النضال وأصدقاء قدماء منهم: أوليفرتامبو وزوجته «آديلايدي». تامبو الذي أصبح فيما بعد رئيساً لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي عام 1967. بعد وفاة شيف ألبرت لوثولي، كان قد انضم إلى مانديلا، ورافقه في بعض رحلاته ضمن إفريقيا».

اعتقال مانديلا

انتهت حرية مانديلا بعد ظهر يوم من أيام الأحد على طريق ريفي بالقرب من بلدة هويك الصغيرة الواقعة إلى الشرق من جنوب إفريقيا، وكان ذلك في 5 أغسطس/آب 1962 مع زميل له ناشط مناهض لنظام الفصل العنصري ومدير للمسرح يدعى سيسيل ويليامز، وهما في طريقهما بالسيارة إلى جوهانسبرج.
كان مانديلا موجوداً في المنطقة ليطلع رئيس حزب المؤتمر الإفريقي شيف ألبرت لوثولي وآخرين على نتائج الجولة التي قام بها. وكانت وجبة الطعام مع أصدقائه في اليوم السابق بمثابة احتفاله الأخير لما يقارب الثلاثة عقود من الزمن.
بحكم خبرته في التخفّي، كان مانديلا يتنكر في كثير من الأحيان بهيئة سائق لرجل أبيض. في ذلك اليوم، وبأي حال من الأحوال، كان ويليامز وراء عجلة قيادة الأوستن عندما تجاوزهم فجأةً سائق سيارة فورد، وأمر ويليامز بالتوقف. وكانت المفاجأة..الشرطة...!! كانوا يرتدون معاطف وقبعات ونظاراتٍ داكنة. أنكر «مانديلا» أنه في الواقع «نيلسون مانديلا»، وأصر على أنه «ديفيد موتساماي»، لكنهم كانوا على يقين من أنهم تمكنوا من اعتقال رجلهم المطلوب، وأنه هو. فكر في الهرب، لكنه أدرك أن اللعبة قد انتهت، إذا جاز التعبير.
وبالحديث عن ذلك بعد أكثر من ثلاثين عاماً قال مانديلا: «كنت في غاية اللباقة في تلك الأيام. وفي الواقع كنت أستطيع تسلق أي جدار، ثم نظرت إلى الخلف.. إلى المرآة الخلفية بالذات، فرأيت سيارتين خلفنا. شعرت وقتها بأنه من السخافة محاولة الهرب، فسوف يطلقون النار علي وهكذا توقفنا».
بإجراءات موجزة تم اعتقال الرجلين، وأعادتهما الشرطة حوالي 9 أميال إلى «بيترماتيزبرج»؛ حيث المكان الذي احتجز فيه «مانديلا» الليلة التي قبلها، ومثل لفترة وجيزة أمام قاض ٍمحلي صباح اليوم التالي، بعدها اقتيد إلى جوهانسبرج، وتم الزج به في سجن الحصن القديم الذي يعد اليوم متحفاً ضمن حرم المحكمة الدستورية لجنوب إفريقيا. خلال الأيام العشرة التالية مثل مانديلا مرتين أمام محكمة الصلح في جوهانسبرج، وتم تأجيل القضية بتمديد اعتقاله إلى حين المحاكمة في 15 أكتوبر/تشرين الأول. وفي يوم السبت 13 أكتوبر تم إعلامه بأنه سيتم نقله إلى مدينة بريتوريا، حيث مثل يوم الاثنين 15 أكتوبر في المعبد اليهودي القديم والذي سمي مؤقتاً «محكمة إقليمية خاصة» من أجل محاكمته، وكان مثوله بهيئة أدهش الجمهور العام والمسؤولين على حد سواء؛ فقد كان يرتدي حول كتفيه العريضتين طوقاً مصنوعاً من جلود ابن آوى متعددة مترابطة معاً على قطعة نسيج كبيرة، أما بقية ثوبه فكان يشمل قميصاً قصير الأكمام، سروالاً «خاكي اللون»، صندلاً، وقلادة مطرزة بألوان الأصفر والأخضر. وقد أراد بذلك أن يظهر كإفريقي يعيش في مجتمع غير متكافئ».
المحامي مانديلا الذي اجتاز فحص القبول اللازم للمحامين بنجاح في عام 1952 تدرب في مكتبه الخاص لعدة سنوات، وتبنى الدفاع عن نفسه آخذاً المشورة من محامي الدفاع بوب هيبل الذي - ومن المفارقات - انضم إليه مع تسعة آخرين بشأن المحاكمة بقضية التخريب خلال العام التالي.

مقاومة التمييز العنصري

استخدم مانديلا تكتيك التحدث من خلال قفص الاتهام؛ الأمر الذي حرره من قيد الاستجواب الدقيق عند الإدلاء بالشهادة. وفي أول خطاب له موجه إلى المحكمة في 22 أكتوبر 1962، طالب بتنحي قاضي الصلح مستر.دبليو.إي.فان هيلسدينجين، قائلاً: إنه كرجل أسود لن ينال محاكمة عادلة. وقد رفض فان هيلسدينجين التنحي بعد الاستماع لالتماسه.
قال فان هيلسدينجين في مقاضاته: كان من الواضح أن مانديلا هو العقل المدبر وراء الإضراب الذي حدث في مايو/أيار 1961 ضد خطط جنوب إفريقيا الرامية إلى التخلي عن عضويتها في دول الكومنولث، وأن تصبح جمهورية.
ألقى مانديلا خطاباً مطولاً آخر من وراء القضبان بعد إدانته بكلتا التهمتين وقال: «أياً كان الحكم الصادر بحقي، فبإمكانكم الاطمئنان لذلك عند الانتهاء من الحكم، وسأواظب على مسيرتي من خلال كرهي لسياسة التمييز العنصري، ومرة أخرى سأتبنى النضال ضد الظلم إلى أن يزول نهائياً.. وعن الجميع».
في حين أسمى فان هيلسدينجين القضية بالمقلقة والصعبة، فقد صرح بأن أفعال مانديلا يجب كبحها بقبضة قوية. بدا واضحاً تشبثه برأيه بأن ما كان يفعله مانديلا فعلاً هو محاولة الإطاحة بالحكومة. وعلى الفور بعد أن حكم عليه بالسجن، غيّر مانديلا حالته من سجين ينتظر محاكمته إلى ذلك المدان في نفس السجن، وقد تم حبسه مع روبرت مانجاليسو سوبوكوي المحاضر الجامعي والزميل السابق في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي قاد انشقاقاً من الحزب ليؤسس مؤتمر عموم إفريقيا.

الجدارة البشرية أساس الاحترام

لعل أشد الرسائل إيلاماً من بين الرسائل المذكورة في هذا الكتاب هي المكتوبة في عام 1969، عندما تم منع مانديلا من حضور جنازتي والدته وابنه ثيمبي، حيث اضطر إلى مواساة أفراد العائلة من خلال المراسلات. ومع ذلك، فإن ما يبرز بقوة في كلماته هو تفاؤله الذي لا يتزعزع، فقوله: «إن الشرف ينتمي إلى أولئك الذين لا يتخلون عن الحقيقة أبداً حتى عندما تبدو الأمور مظلمة ومقيتة، والذين يحاولون مراراً وتكراراً، الذين لا يشعرون بالإحباط من الإهانات والإذلال وحتى الهزيمة».
سواء كان مانديلا يقدم دعماً مستمراً لزوجته المسجونة أيضاً أو يوجز فلسفة حقوق الإنسان التي تثير صدى اليوم، فإن هذا الكتاب يكشف بطولة رجل رفض التنازل عن قيمه الأخلاقية في وجه العقوبات غير العادية.
في نهاية المطاف، تضع هذه الرسائل مانديلا كأحد أكثر الشخصيات الملهمة في القرن العشرين.
نشر هذا الكتاب في 2018 تخليداً لذكرى الراحل الكبير نيلسون مانديلا في ذكرى مئوية ميلاده، وترد في الرسائل كلمات جميلة مثل: «إن احترامي للبشر موجود، ليس بسبب لون بشرتهم ولا بسبب السلطة التي قد يمارسونها، بل على أساس الجدارة»، وأيضاً «إن القلم الجيد يمكن أن يذكرنا أيضاً بأسعد لحظات حياتنا، ويجلب الأفكار النبيلة إلى بيوتنا ودمائنا وأرواحنا. يمكنها أن تحول المأساة إلى أمل ونصر». يأتي الكتاب في 640 صفحة من القطع الكبير عن دار «ليفرايت» باللغة الإنجليزية.

نبذة عن الكاتب والمحرّرة:

* كان نيلسون مانديلا (1918- 2013) ثورياً من جنوب إفريقيا مناهضاً لسياسة الفصل العنصري، وسياسياً، ومحسناً، وكان أول رئيس منتخب ديمقراطياً في جنوب إفريقيا من 1994 إلى 1999. أنشأ مانديلا مؤسسة نيلسون مانديلا كمكتب له بعد الانتخابات الرئاسية في عام 1999، وهي منظمة غير ربحية تم تحويلها منذ 2004 إلى أرشيف وصوت موثوق به على حياته وأوقاته. وقامت بتعزيز رؤية مانديلا وعملها من خلال عقد حوارات وإنشاء برامج للتواصل حول القضايا الحاسمة لتعزيز العدالة الاجتماعية.
* أمّا ساهم فنتر فهي محررة هذا الكتاب، وهي مراسلة سابقة في وكالة أسوشيتد برس (غطت وشاهدت إطلاق مانديلا من السجن في عام 1990) وباحثة لفترة طويلة. شاركت في تحرير عدة كتب سابقة، منها: «ملاحظات للمستقبل: كلمات الحكمة مع سيلو هاتانج ودوج أبرامز، وكتاب «491 يوماً: سجين رقم 1323/69» بقلم ويني ماديكيزيلا مانديلا مع سواتي دلاميني؛ وغيرها من الكتب.