إعداد: عبير حسين
كتبت الدسائس والحروب النصيب الأكبر من صفحات التاريخ منذ بدء البشرية، وكان للخدع والمؤامرات نصيبها الحاضر هي الأخرى ومنها ما تحتفظ به ذاكرتنا اليوم حول حادثة «قصف ماينيلا» في عام 1939 التي شنها الجيش الأحمر الروسي على إحدى القرى الروسية البائسة مدعياً أن القصف مصدره الجيش الفنلندي لإيجاد ذريعة لشن «حرب الشتاء» بعد ذلك ب 4 أيام فقط.
بعد الهجوم على قرية «ماينيلا» الواقعة على الحدود الروسية الفنلندية بالقرب من بيلوستروف ادعى الجيش الأحمر وقوع خسائر بشرية فادحة أعقبها بدفعة دعائية كبرى لتبرير اعتدائه المبيت على فنلندا التي كان مرتبطاً معها بعدة معاهدات دولية تمنع ذلك. وعليه احتاجت الحكومة السوفييتية «مبرراً» لشن الحرب الذي بدأته بعد عدة أيام.
أما المثير للدهشة فكان عدم قدرة الجيش الأحمر، رغم تفوقه الكبير على نظيره الفنلندي، على حسم الحرب لصالحه واضطراره إلى إنهائها سريعاً في ربيع العام التالي بالتوقيع على معاهدة موسكو، وكان من أهم نتائجها طرد الاتحاد السوفييتي من «عصبة الأمم» نهاية 1939.
الجيش الأحمر كانت مشكلته الكبرى في ضعف كفاءة الضباط في مستوى القيادات العليا بسبب حملة التطهير التي أجراها جوزيف ستالين عام 1937 وأعدم وسجن خلالها أكثر من 30000 ضابط، وعليه دخلت روسيا «حرب الشتاء» بضباط كبار عديمي الخبرة، منخفضي الروح المعنوية، وهو ما تميزت به القوات الفنلندية على الجانب الآخر وكان ذلك سبباً في صمودها أمام الغزو الروسي وقتاً أطول من المتوقع.
توقف القتال في مارس/ آذار 1940 بتوقيع معاهدة سلام موسكو التي تنازلت فنلندا بموجبها عن 11٪ من أراضيها ما قبل الحرب وعن 30٪ من أصولها الاقتصادية للاتحاد السوفييتي، بينما تكبد السوفييت خسائر ثقيلة على الجبهة، وساءت سمعة بلادهم الدولية.
لم تحقق القوات السوفييتية هدفها باحتلال فنلندا بالكامل لكنها استولت على ما يكفي من الأرض على طول بحيرة «لادوجا» لتوفير منطقة عازلة من أجل لينينجراد خلال الحرب العالمية الثانية، بينما حافظ الفنلنديون على سيادتهم وسمعتهم الدولية.
أحبطت معاهدة السلام الخطة الفرنسية البريطانية لإرسال قوات إلى فنلندا عبر شمال إسكندنافيا التي كانت أحد أهم أهداف الحلفاء منها هي السيطرة على خام الحديد في شمال السويد وقطع إمداداته عن ألمانيا. وكانت بريطانيا وفرنسا تساعدان فنلندا بالأسلحة معربتين عن استعدادهما لإرسال قوات إليها إضافة إلى تقديمهما الدعم اللازم لتشييد خط محصن على حدودها مع الاتحاد السوفييتي أطلق عليه خط «مانرهايم».
أما أهم ما توثقه الذاكرة الفنلندية عن هذه الحرب فهو ما يعرف في أدبياتها ب«روح حرب الشتاء» والمقصود بها حالة الوحدة الوطنية التي سادت البلاد وقتها ويعود إليها الفضل في الحفاظ على فنلندا من التفكك في اصطفافات طبقية وإيديولوجية.
كما أنها أظهرت تعافي المجتمع الفنلندي جزئياً بعد الحرب الأهلية الفنلندية 1918 التي تعد واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ الأوروبي.