إعداد:عبير حسين
5 أحرف فقط تشكل شخصيتك ومظهرك والأمراض المتوقع أن تصاب بها وأفضل الأدوية لعلاجها وكل ما له علاقة بكيانك البشري، وعليه فهي ليست بأحرف عاديه لكنها «شفرتك الوراثية» التي ترتب بطريقة خاصة وعدد خاص «من أنت» ؟ إنه «الجينوم» الذي يصادف هذا اليوم إعلان النتائج الأولية لأول وأضخم مشروع علمي يهدف إلى التعرف إليه وكشف أسرار تركيبته الكيميائية ومكوناته والذي يلقبه العلماء ب«كتاب الحياة» في العام 2000.
حين يتحدث الكثير عن مشروع «الجينوم البشري» يفضلون أن تكون البداية من المجهودات التابعة لمؤسسات الصحة القومية في الولايات المتحدة منتصف الثمانينات من القرن الماضي. بينما تحتم البداية العلمية السليمة إرجاع الفضل إلى أصحابه الحقيقيين ونقصد هنا العالمين تيم واطسون وأولف كريك اللذين اكتشفا في العام 1953 تركيبة الحمض النووي DNA وحازا بفضله على جائزة نوبل في الطب عام 1962.
منذ منتصف الثمانينات في القرن الماضي زاد اهتمام وزارة الطاقة الأمريكية والهيئات التابعة لها ولمدة تزيد على 50 عاماً بدراسات الحمض النووي. وفي عام 1984، وفي اجتماع مشترك بين وزارة الطاقة الأمريكية واللجنة الدولية للوقاية من المسرطنات البيئية، طرح لأول مرة بصورة جدية سؤال: هل يمكننا، أو هل يجب علينا، أن نعين سلسلة (Sequence) الجينوم البشري؟ أو بمعنى آخر هل علينا تطوير تقنية تمكننا من الحصول على نسخة دقيقة للمخطوطة الوراثية الكاملة للإنسان. وبهذا نتوصل إلى مفتاح اكتشاف «التأثيرات المطفرة» المفسدة الناتجة عن الإشعاع والسموم المسببة للسرطان.
لم تكن إجابة هذا السؤال من السهولة بمكان، وبعد جلسات عمل عدة بين المؤسسات الأمريكية العلمية المعنية خلال عامي 1985 و1986، بالإضافة إلى الجدل الذي احتدم وقتها بين العلماء أنفسهم على المستويين العام والخاص، أنشئت منظمة الجينوم البشري عام 1988 وكان هدفها حل شفرة كامل الجينوم البشري.
أما مشروع الجينوم البشري (HGP) Human Genome Project فهو مشروع بحثي بدأ العمل به رسمياً في عام 1990، وكان من المخطط له أن يستغرق 15 عاماً، لكن التطورات التكنولوجية عجلت العمل به حتى أوشك على الانتهاء قبل موعدهِ المحدد له بسنوات. فأعلنت نتائجه الأولية في مثل هذا اليوم عام 2000، وأعلنت النتيجة النهائية للمشروع عام 2003. وأدى ذلك لإجراء أبحاث في مجالات ذات أهداف أبعد. وهدف المشروع إلى اكتشاف جميع المورثات (جينات) البشرية (التي قدر عددها في ذلك الوقت بين 80 و100 ألف). كما هدف إلى اكتشاف وتحديد التتابع الكامل لكل الثلاثة مليارات زوج من القواعد النيتروجينية، وسمى العلماء القرن الحادي والعشرين بالقرن الوراثي لما لهذا الاكتشاف من أهمية.
اجتهد العلماء من اجل الحصول على خريطة تفصيلية دقيقة جدًّا لتتابع القواعد النيتروجينية وسمحوا فقط بحدوث خطأ في قاعدة واحدة لكل 10 آلاف قاعدة. وتوقعوا أن رسم هذه الخريطة يساعد بشكل كبير لفهم بيولوجية الإنسان. وطور العلماء أهدافهم المرحلية في وقت لاحق وأضافوا هدفًا جديدًا وهو التعرف إلى الاختلافات الفردية في الجينوم بين شخص وآخر، واكتشفوا أنه رغم أن أكثر من 99% من ال DNA في الإنسان متشابهة في كل البشر فإن التغيرات الفردية ربما تؤثر بشكل كبير على تقبل الفرد للمؤثرات البيئية الضارة مثل البكتيريا والفيروسات والسموم والكيماويات والأدوية والعلاجات المختلفة.
تأكد العلماء من أن رسم خريطة «جينوم بشري» تساعدهم على التعرف إلى الجينات المختصة بالأمراض المختلفة. وللتعرف إلى وظائف المورثات المختلفة للإنسان يحاول العلماء تحضير نسخ كاملة من الحمض النووي المكمل (cDNA)، وكذلك دراسة الطرق التي تتحكم بعمل المورث وكيفية عمله.