حل «ترينالي الشارقة للعمارة» في دورته الأولى في مواقع عدة بالإمارة من بينها مدرسة القاسمية وسوق الجبيل القديم، ليزيح الستار عن أيقونتين معماريتين تحيلان الأنظار إلى مرحلة ثقافية مهمة من تاريخ الشارقة، ألا وهي مرحلتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
ولعل اختيار هذين الموقعين كمركزين رئيسيين للترينالي وافق والأهمية الثقافية والمعمارية الحديثة لكل منهما، إذ شهدا أعمال ترميم تتناسب واستضافة المعارض والجلسات النقاشية الفنية الخاصة بالدورة الأولى للترينالي، خاصة وأن الحدث شهد حضور ضيوف من أقطاب العالم، وهو ما عزز فكرة مواصلة النهج الذي يرمي إلى التواصل الثقافي والحضاري مع الآخر.
تقول منى المصفي مستشارة «ترينالي الشارقة»، ومهندسة معمارية: اختيار مدرسة القاسمية وسوق الجبيل كموقعين رئيسيين لعرض الفنون وانعقاد الجلسات الفنية، خلال الدورة الأولى، يعود لخصوصيتهما التاريخية والثقافية، والرغبة الكبيرة من قبل المنظمين لتحقيق المنهج الخاص بالترينالي وهو إبراز تلك الوجهات ذات الطابع المحلي للزوار من أنحاء العالم، وهو ما يشكل علاقة خاصة بينهم وبين الأماكن بشكل عام وموضوع الدورة الأولى بشكل خاص.
وتشير المصفي إلى أن ما ساعد في اختيار المبنيين هو تصميمهما ونظام التهوية الطبيعي الفعّال، وتقول: هذه المرة الأولى التي يتم ترميم مدرسة القاسمية وذلك بغرض اختيارها للدورة الأولى للترينالي، وشمل الترميم الذي بدأ في مارس الماضي، المباني من الداخل، وإضافة أنظمة التهوية حيث تحتاج بعض المعروضات لتهوية خاصة، واستبدال بعض الأبواب الخشبية بزجاجية لاستقطاب الزوار من الجمهور للجلسات والمحاضرات، وتنظيم الممرات والباحات الكبيرة المفتوحة وغير ذلك من تحسينات.
مزايا معمارية
ويعتبر تصميم مدرسة القاسمية نموذجاً بني وفق مواصفاته ما يزيد على 20 مدرسة في الشارقة، والعديد غيرها على مستوى الدولة، وبات هذا التصميم مرادفاً للعملية التعليمية محلياً، بعد أن تمّ ابتكاره من قبل الشركة المعمارية «خطيب وعلمي» في السبعينات، ويتسم البناء بمزايا معمارية عدة منها الأقواس المتسلسلة المتوالية، والأسوار الداخلية، والممرات المسقوفة، وغرف الصفوف النمطية، بالإضافة لتدرجات الألوان الترابية الهادئة التي تبعث الحيوية في الأسطح الخرسانية.
وعن توظيف سوق الجبيل القديم كمقر رئيسي آخر للدورة الأولى للترينالي، وقد تم إنشاؤه في أوائل الثمانينات، فتحيل المصفي ذلك إلى ذات النهج وهو التصميم المعماري والحالة الثقافية التي يشكلها، فالتصميم المعماري يوفر تهوية ملائمة للزوار، وتضيف: يعتبر سوق الجبيل القديم المجاور لمحطة الحافلات موقعاً يضيء على تاريخ الشارقة كمركز للتجارة نابض بالحياة ومتعدد الأعراق، ومنطقة للتبادل التجاري والثقافي، فتصميمه ذو الأروقة المنحنية والأقواس العليا وشبابيكه المرتفعة والمحلات المصطفة على يمينه ويساره مهم للترينالي وكان له الأثر الثقافي والفني في اختياره كمنطقة تفاعل بين زواره، وهو من تصميم الشركة البريطانية للاستشارات «هالكرو جروب».
تقول المصفي: إن اختيار المباني الموجودة مسبقاً لإقامة الدورة الأولى للترينالي جاء بوعي تام بأهمية تلك الأماكن من جوانب عدة، وخاصة أنها مبانٍ موجودة ذات إمكانيات كبيرة عوضاً عن البدء من الصفر، فهذا الاختيار ليس مجرد نهج مستدام، بل يخلق منظومة معمارية متجددة ضمن حوار مستمر، وقائم على تاريخ المدينة وذكرياتها ويوظف للاستخدامات المعاصرة والتطلعات المتطورة.