أمل سرور
أي نوع من المتعة تلك التي تضاهي جماليات الإبحار بعكس اتجاه أسطح البحار والمحيطات؟ هل عالم الأعماق يتحدث بلغة أخرى غير تلك التي يعرفها أهل اليابسة؟ وهل يمكن لشخص من الأرض أن يقرأ مفردات حوارات سكان البحار؟.
تراها رسائل المياه تحوي أسراراً لا تكشف عنها سوى لعاشقي عوالمها الذين يغوصون ليتوحدوا مع ما تخفيه من أساطير وحكايات؟.
صمت وسكون، تأمل وانبهار، دهشة وتعجب، وعلامات استفهام لا تنتهي تطارد وتحاصر مخيلتك ما إن تقف أمام لوحات المصور الإماراتي العالمي علي بن ثالث الذي يشارك بقوة وباختلاف وبتميز متفرد في الدورة الثانية من المهرجان.
وحده فقط يمكن أن يلبي معك ذلك النداء الذي يأتيك من قلب الأعماق، ليشد حواسك جميعها ويجعلك تقف أمام مرآة الإنسانية لتعرف أن هناك في الحياة ما يستحق الدهشة والتأمل والإنصات.
ليس بغريب أن يشارك علي خليفة بن ثالث في مهرجان بثقل إكسبوجر، وهو الذي تخصص في نوع خاص ونادر في مجاله وهو التصوير تحت الماء، بل نجح بجدارة في أن يشغل منصب الأمين العام لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، وأول عربي يفوز بجائزة للقيادات المؤسسية في الأمم المتحدة.
أمام لوحاته تنتابك حالة من السكينة، ويتسرب إليك إحساس بأنك دخلت غمار تجربة الغوص في الأعماق، ربما تشعر بالبرودة تسري في جسدك، وربما تشم رائحة اليود التي تخترق صدرك آتية لك من بحار ومحيطات العالم، بل ينتابك شعور بأنك قد تلمس بيديك تلك الألوان التي تنبعث من تلك المخلوقات الكونية التي لا تملك سوى أن تقف مشدوهاً منبهراً أمامها.
لا محالة تشعر بأنك دخلت إلى رحلة في الأعماق نجحت أن تصحبك فيها باقتدار وبفن عدسات علي بن ثالث.
لم أكن في حاجة إلى أن أسأله، بل كنت في أشد الاحتياج إلى سماعه يحكي ويسرد ويستطرد، ويكشف أسراره وأساطيره، ويتذكر بداياته وانطلاقاته ويشرد بأفكاره وأحلامه، ويستعيد الأخطار التي حدقت به من كل صوب وحدب في مياه الأعماق.
بدأ علي بن ثالث حديثه بالقول: إذا كان «طواويش» الإمارات قديماً ومنطقة الخليج قديماً غاصوا بحثاً عن المحار واستخراج مكنونه من اللؤلؤ، فإن «طواويش» الحاضر استكملوا مسيرتهم، وها أنا أبحث عن ذلك اللؤلؤ الموازي ألا وهو الجماليات في البيئة البحرية.
يصمت ابن ثالث وكأنه يسترجع مشهداً ما ليتحدث بعد برهة قائلاً: «أباً عن جد، أنا من أبناء البحر» هكذا أستطيع أن أصف نفسي، علاقتي به بدأت منذ الصغر فلقد نشأت في المنطقة المطلة مباشرة على شاطئ البحر بدبي، حيث يبعد منزلي 20 متراً فقط عنه، لم يكن والدي يسأل عني كثيراً عندما أختفي لأنه ببساطة كان يعلم بأنني أمام البحر أو بين أحضانه، قربي منه فتح لي المجال للتأمل، حيث كنت أذهب من السابعة صباحاً وأبقى هناك حتى الثانية عشرة ليلاً، ومن خلال مياهه أرى عالماً متكاملاً مملوءاً بالزوارق والصيادين وهم يروحون ويغدون. وجاءت نقطة انطلاقي في 1992، حيث بدأت أهوى التصوير تحت المياه، وفي 1997 سافرت للخارج لدراسة اللغة الفرنسية، وكنت ألتقط الكثير من الصور لأن هناك من طلب مني التخصص في مجال التصوير الفوتوغرافي، وفي 2004 كانت أوَّل رحلة غوص تحت الماء مع كاميرا احترافية خاصة؟
ويضيف: رغم أنني لم أكن أسعى وقتها لجوائز، حصلت على عضوية «ناشيونال جيوجرافيك» عام 2008، ليستمر المشوار الذي أكلله بالمشاركة في «إكسبوجر»، ذلك المهرجان العالمي الذي احترم وقدّر قيمة الصورة الصحفية والاحترافية، وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تعامل مع هذا المهرجان بمنطق الأب الذي يعطي بلا حدود، يهب الأبناء ولا ينتظر منهم سوى النجاح، رؤية سموه واهتمامه، ومجهود الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، رئيس مجلس الشارقة للإعلام، في احتضان العاصمة العالمية للكتاب لذلك المهرجان العالمي الذي أتشرف بالمشاركة فيه، أمر يفخر به كل إماراتي وعربي في منطقة الشرق الأوسط.
اللافت للنظر هو الجديد الذي يقدمه مهرجان إكسبوجر هذا العام والخاص بمجموعة الورش التدريبية التي يقدمها على بن ثالث وقال عنها: ما فعلته إدارة المهرجان من تصميم حوض سباحة مجهز بكل المعدات الخاصة، لأقدم للمتدربين ورشاً تفاعلية تدريبية على أرض الواقع لم يحدث من قبل في تاريخ المهرجانات العالمية التي حضرتها، وهذا يؤكد ما قلته بأن «إكسبوجر» وصل بالفعل إلى العالمية، وأن هناك نوعاً من التعامل الأبوي مع مهنة التصوير ومحترفيها من ناحية المسؤولين عن المهرجان.
وحول إحدى الصور التي قال، إنه نطق بالشهادتين أثناء التقاطه لها، بعد أن أبصر أسراب التونة العملاقة التي تزن الواحدة منها 400 كيلوجرام، متجهة نحوه بسرعة قال ابن ثالث: لا شك أن هناك خطوطاً حمراء يجب عدم الاقتراب منها في مغامرة الغوص، لكن معظمها يغيب مع شغف اكتشاف المجهول، وهو ما جعلني في كثير من المرات لا ألتفت إلى أن أنبوب الأكسجين الذي أوشك أن ينفد لولا إرادة الله سبحانه وتعالى.