د. حمد محمد بن صراي*
كتاب «سيرة مدينة» من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمّد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من إصدارات دار القاسمي، الطبعة الأولى، 2017، الترقيم الدولي: ISBN 978-9948-18-878-0. وهو مخرّج بشكل جميل، وغلافه عليه منظر الشارقة من الواجهة البحريّة (1907-1908). والكتاب من الحجم المتوسّط، وعدد صفحاته 480، وبه عددٌ من الملاحق تضمّ بعض الاتفاقيات ومجموعة من الصور، وينقسم إلى مقدّمة، و17 فصلاً إضافة إلى الهوامش والملاحق.
وبهذا الكتاب يستعرض معنا سموه مجموعة متنوّعة، ومتألّقة من مؤلَّفاته التي قدّم عن طريقها فكراً نيّراً، وعلماً واسعاً، وفهماً للتاريخ واضحاً وجليّاً، وقراءة للواقع من خلال التاريخ، وتحليلاً جريئاً للأحداث، وإدراكاً لمرامي الحياة، وكيفيّة العيش في إمارات الساحل منذ تشكّلها سياسيّاً وإداريّاً.
صراع الإخوة
وهو في المقدّمة يعلن أنّ هذا المصنَّف هو تأريخ لمدينة الشارقة بحيواتها ومسيرتها عبر الزمن، وهو يقدّم رؤى حول مسيرة هذه المدينة وتقلّبات الحياة بها، وعلاقاتها بأهلها، وعلاقات أهلها بها، وعلاقات الآخرين بها. ويُعَنْوِن للفصل الأول ب«صراع الإخوة»، وهو عنوان مختار بعناية ودقّة؛ نظراً للأحداث التي جرت بين أبناء سلطان بن صقر القاسمي: خالد وإبراهيم وسالم وأحمد في تبادل الحكم في الشارقة رأس الخيمة، ممّا أدّى إلى تدخّلات محلّيّة وإقليميّة، ومثل هذه الأمور لا تحدث إلا إذا تصادم الإخوة واختلفوا وحكّموا السلاح فيما بينهم، وهذا ما أراد الدكتور سلطان إيصاله إلى القارئ. وممّا نتج عن هذه الحروب خسائر في الأرواح والممتلكات.
وعنوان الفصل الثاني: الشيخ صقر بن خالد، وحُكْم رأس الخيمة، بدأه المؤلِّف بتولّي صقر بن خالد بن سلطان حُكم الشارقة في شهر مارس/ آذار 1883، وانتزاع السلطة من عمّه سالم، ثمّ توافقه مع عمّه بعد ذلك. وأورد قيام صقر بن خالد بحملة عسكريّة على رأس الخيمة، واستعادة حكمها، وعيّن عليها ابن عمّه حمد بن ماجد بن سلطان، عام 1900 لفترة قصيرة ثمّ عيّن عليها ابنه خالداً نائباً عنه بعد ذلك.
وقوع الانفصال
وعنوان الفصل الثالث: «انفصال رأس الخيمة عن الشارقة»، وفيه أورد الكاتب الكبير طبيعة العلاقة بين صقر بن خالد وعمّه سالم بن سلطان، ومرورها بفترة هدوء ثمّ خلاف بينهما وخصومة. ويذكر أنّ الشيخ صقر بن خالد نقل ابن عمّه حمد بن ماجد إلى كلباء وخورفكّان، وعيّن على رأس الخيمة ولده خالد بن صقر في أواخر عام 1905، رغبة منه في تثبيت نفوذه فيها خشية من انفصالها.
البريء من التهمة
وتحت عنوان: «البريء من التهمة» (الفصل الرابع)، وبحلول عام 1919 اشتدّ مرض سالم بن سلطان، وتولّى ابنه محمّد المشيخة، ولكن لم يطل به الأمر؛ إذ نازعه أخوه سلطان الذي أصبح حاكماً على رأس الخيمة في شهر أُغسطس/ آب 1919. بينما في الشارقة فقد بقي خالد بن أحمد شيخاً عليها إلى شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1924 إذ استولى على الحكم فيها سلطان بن صقر بن خالد، بعد حدوث إطلاق نار بين الجانبين انتهى بالصلح. ثمّ يتحدّث المؤلِّف الكبير عن حادثة قتل إبراهيم بن رجب ابن عمّ عيسى بن عبد اللطيف السركال، ولم يُعرف مَن أطلق النّار على ابن رجب، ولكن اُتّهِم بالقتل عبدالرحمن بن محمّد الشامسي، شيخ الحيرة، وبعد طول انتظار وتنازع وخلاف وردّ وأخذ أُبعد على إثرها عبدالرحمن إلى عدن. وبطبيعة الحال فإنّ السلطات البريطانيّة تدخّلتْ في هذه القضيّة بكلّ قوتها، ومارست ضغوطاً شديدة على الشيوخ ممّا أحدث إشكاليات كبيرة ورفضاً بين الأهالي. وأشار المؤلِّف إلى الأوضاع الاقتصاديّة، وانخفاض التجارة وتقلّص في العائدات. وذكر أنّ عبدالرحمن بن محمّد ظلّ في عدن إلى عام 1929 إذ عاد إلى الشارقة.
نكسة السلطة البريطانيّة
وتحت عنوان: «عندما خضع البريطانيون لمطالب المعارضة» (الفصل السادس)، فصّل فيه المؤرّخ الكبير حول الخطّ الجويّ عبر الساحل، وتعرّض السلطة البريطانيّة لنكسة حين رفضت إيران تجديد الاتفاقيّة إلا بعد تلبية عدد من المطالب، حينها بدأ البريطانيون بالبحث عن أماكن مناسبة على الساحل العربي، ونقل خطّ الطيران من الساحل الفارسي إلى الساحل العربي، وتشدّد السلطات البريطانية مع شيوخ الساحل، وتعاملها مع الأهالي بتعالٍ، مثل تعاملهم مع أهالي رأس الخيمة وسفن الغوص فيها.
الشارقة وفلسطين
وفي الفصل العاشر: «الشارقة وفلسطين» أبدع في حديثه عن القضيّة الفلسطينية وبداياتها التاريخيّة، مع إعطاء لمحات عن وصول بعض الضّبّاط البريطانيين بسفنهم الحربيّة إلى الشارقة. وألمح إلى مَن أطلق عليه: «رئيس الخليج»، وهو ترينشارد فاول، واستعرض بكلّ دقّة كيفية تعامل السلطة البريطانية مع حكّام الساحل، وكيفيّة حديث التقارير البريطانية عن الشيوخ وأوضاع المنطقة، وبيّن من خلال الوثائق مدى حرص البريطانيين على مصالحهم في المنطقة مهما كانت الظروف والأوضاع.
الحرب العالميّة الثانية
وتحت عنوان: «الشارقة والحرب العالميّة الثانية» (الفصل 12) بدأه بخلفيّة تاريخيّة موجزة حول الحرب العالمية الثانية، وأشار إلى متابعة أهالي الشارقة لأخبار الحرب، كما أشار إلى وجود اللافتات في الأسواق، وأورد قصيدة معبّرة لعبدالعزيز بن سيف المدفع، ثمّ أورد ردّ الشيخ صقر بن سلطان بن صقر القاسمي، ثمّ ردّ عبدالعزيز المدفع عليه.
عِقاب مدينة
«عِقاب مدينة» هو عنوان الفصل السادس عشر، وفيه أورد الخلاف بين الشيخ سلطان بن سالم القاسمي وابن أخيه الشيخ صقر بن محمد بن سالم القاسمي الذي استولى منه على الحكم في رأس الخيمة عام 1948، وأنّ الشيخ سلطان بن سالم كان يقضي وقته بين الشارقة ودبي والمنيعي.
وذكر أنّ السلطات البريطانية قد نبّهت الحاكم السابق بضرورة التزام الهدوء والسكينة، وعدم تهديد الأمن القبلي في الساحل. ثمّ ألمح إلى دور بريطانيا السّيّئ في الشارقة وعلاقتها المتوتّرة مع الشيخ سلطان بن صقر طوال عام 1947، واتهامها له بتهم الإهمال والتقصير، بعد أن رفض تجديد الاتفاقية الخاصة بمحطّة مطار الشارقة.
إنجاز سلطان
بهذا الكتاب يكون صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمّد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أنجز تاريخ مدينة في ساحل، وتاريخ ساحل في مدينة، وبين مدينة ومدينة، وربط بين العمارة والسّكّان، وبين الأرض والإنسان، وبين الحدث والمكان، وبين الأهل والمحتلّ، وبين الإرادة والإدارة، وبين الفعل والقول، وبين الكتاب والوثيقة، وبين التقرير المكتوب وبين الواقع المنظور، وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه.
* قسم التاريخ والآثار - جامعة الإمارات العربية المتحدة