يقول الفيلسوف ابن باجة «وأما صناعة الموسيقى فإني زاولتها حتى بلغت فيها مبلغاً رضيته لنفسي، ثم بعد ذلك صناعة الهيئة، فإني أكملت النظر فيها الكمال الذي يقتضيه ما وجدته من مبادئها»، ويستمر القارئ لكتابه «رسائل فلسفية» يتعرف إلى العلوم التي أتقنها ابن باجة حتى يجد نفسه أمام فيلسوف يؤمن بوحدة المعرفة، هنا تجده يحدثك عن الفلك، يسرد إبداعات اليونانيين القدماء، ثم يطرح آراء مشاهير العلماء المسلمين، ينتقد هذا أو يعلق على ذاك، وهناك يفصل في قواعد هندسية وحسابية، ثم تجده في رسالة أخرى يحدثك عن قواعد الألحان وعلم الأصوات، ويعرج في ثالثة إلى الفلسفة، يتكلم عن العقل والنفس..الخ، وفي كل رسائله ستعثر على هذا الأندلسي المتأثر بالفلسفة المشرقية، الناقد لها والذي يحاول أن يطورها، وفي كل أحاديثه تشعر أن غايته الإنسان، لقد كانت السعادة هدف ابن باجة الأساسي على حد تعبير المفكر المغربي محمد عابد الجابري.
«انظر ببصيرة نفسك في نفسك» مقولة موحية وذات دلالات تدفع العقل إلى التفكير والتأمل، مقولة تصادفك في «رسائل» ابن باجة عندما يتناول تلك العلاقة بين العقل والقوة المتخيلة، هذه العلاقة التي ربما تقود الإنسان لو تفكر إلى «العجائب» على حد تعبير فيلسوفنا نفسه، مقولة تفتح الذهن على مغامرة المستقبل وتوقع المدهش، فالعقل وفق ابن باجة هو أداة الخيال، ومن خلاله وحده يمكن للإنسان أن يرى الأحداث قبل وقوعها: «يعطي العقل القوة المتخيلة معلومات يبسطها فيها من حوادث جرت في العالم يوجدها فيها قبل حدوثها»، العقل مرة ثانية وفق ابن باجة خادم الخيال، ومنبع الأخلاق والسلوك في العالم.
مركزية العقل
العقل عند ابن باجة هو ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، ويتجلى ذلك في تعريفه له، وحتى عندما يقدم شرحا لقوى النفس وفق التقسيم الفلسفي القديم، يميز الإنسان بالقدرة على التعلم والتعليم وهي خاصية لا تتم إلا بالعقل وحده: «النفس النزوعية جنس لثلاث قوى: النزوعية بالخيال وبها تكون التربية للأولاد،..والألفة والعشق. والنفس النزوعية بالنفس المتوسطة وبها يشتاق، الإنسان، إلى الغذاء والدثار، وجميع الصنائع داخلة في هذه. وهاتان مشتركتان للحيوان. ومنها النزوعية التي تشعر بالنطق، وبها يكون التعليم والتعلم وهذه يختص بها الإنسان فقط».
يطلق البعض على ابن باجة فيلسوف السعادة، أو فيلسوف العقل، أو أول من حاول تأسيس فلسفة إسلامية تخلو من المؤثرات المغرقة في الباطنية، وهو ما يلحظ عند قراءة رسائله العديدة، وأشهرها «تدبير المتوحد»، وبين قراءة ابن باجة أو مطالعة ما كتب عنه، سنلاحظ مثلا أنه وضع «السعداء» في مرتبة تعلو أهل النظر، وهؤلاء السعداء هم «الذين يرون الشيء بنفسه»، وهنا يفتح ابن باجة أمام قارئه فضاء ممتداً من الخيال الرحب، فهل تخيلنا يوما القدرة على رؤية البشر والأحداث والأشياء من داخلها؟، أو من خلال عيون الآخرين؟، هنا الذات عينها كآخر وفق تعبير بول ريكور، هنا ليس فسحة لا نهائية من الخيال وحسب، ولكن قدرة لا نهائية أيضا على التبصر ولاحقا التفهم، وربما إدراك الدوافع ومن ثم التسامح والتعايش.
ابن باجة هو أبو بكر محمد بن يحيى الملقب بابن الصائغ أو ابن باجة، من أشهر علماء المسلمين في الأندلس، ولد في سرقسطة، في نهايات القرن الخامس الهجري وتاريخ ميلاده غير معروف على وجه الدقة، اضطر إلى الهجرة من مدينته إلى إشبيلية بعد وقوعها في قبضة ألفونس الأول في عام 512 ه، وسكن فترة في مدينة المرية وغرناطة، ثم رحل إلى فاس المغربية، وفيها عانى من المحنة واتهم في دينه، وقيل إنه مات مسموماُ في عام 529 أو 531 ه، وابن باجة أول المشتغلين من عرب الأندلس بالفلسفة المشرقية، فلسفة الفارابي وابن سينا، وأشار إليه كثيرا ابن طفيل، وذكره في قصته الرمزية «حي بن يقظان»، ويشبهه البعض بالفارابي في ولعه وتفوقه في الموسيقى وخاصة الضرب على العود، وأفرد له ابن أبي أصيبعة مؤرخ الأطباء مساحة للحديث عن نبوغه في الطب.
تعتبر رسالة «تدبير المتوحد» اشهر ما تركه ابن باجة من مؤلفات، وفي مقدمتها يشرح معنى التدبير بالقول: «إن هذا اللفظ يدل في أكبر معانيه على مجموعة من الأعمال ترمي إلى مقصد معلوم، فلا يمكن أن يستدل بها على عمل مفرد، إنما على جملة أعمال تنجز على وتيرة واحدة بناء على خطة مرسومة للوصول إلى غرض معلوم» والمتوحد هنا هو الناظر أو الفيلسوف، وهو رأس هذا التدبير، وهنا يسترسل في تشييد مدينة فاضلة يؤسسها الفلاسفة على الأخلاق والفضيلة والسعادة، مدينة لا تحتاج إلى «طب النفس وطب الخلق وطب البدن». في فصول الرسالة الأخرى تجد ابن باجة يفصل في طبيعة أعمال الإنسان وأفعاله، ويحلل مفهومي الخير والشر، ويؤكد على أن المتوحد، أو المتوحدين «سكان المدينة» لا بد أن يتميزوا بفضائل الأخلاق.
يقسم ابن باجة أعمال البشر إلى أعمال ليس لها غاية سوى شكل الإنسان والشرب والأكل والملبس والسكن، وهذه الأعمال لا غاية لها إلا التمتع المادي ولا ينبغي إهمالها، ولكن ينبغي على المتوحد التخلص من آثارها الجانبية مثل الفخر بالملبس أو بالممتلكات بما ينعكس سلبا على الأخلاق العامة. وهناك أعمال لا نتيجة مقصودة من القيام بها أو منفعة مباشرة من ورائها، أعمال غايتها بلوغ الكمال في التعقل والتدبر كأن يدرس الرجل علما لذاته، وهي أكمل أعمال الإنسان.
يميز ابن باجة في رسالته أيضا بين كلمات كثيرة يستخدمها البشر، بمن فيهم الفلاسفة، كمترادفات مثل النفس والروح، ولكن فيلسوفنا يضع لكل كلمة مدارات استعمالها ويبحث في جذورها اللغوية والعقلية. ويستمر ابن باجة معك خلال تلك الرسالة الرمزية الصعبة أحيانا في تفصيل آراء الحكماء في مختلف قضايا الفلسفة، لتخرج بجملة من المعاني حاول ابن باجة إيصالها لقارئه، هناك تركيز على أهمية بناء الفرد ودوره في الجماعة، وأهمية ما تقوم به تلك الجماعة المتسلحة بالعقل والفضائل في بناء المجتمع/ المدينة الفاضلة، وهناك مرة ثانية أولوية قصوى للأخلاق، ومحاولة لتنقيح الفلسفة المشرقية مما علق بها أحيانا من أفكار لا عقلانية. وهناك غاية المتوحد النهائية وتتمثل في الأفعال التي لا تتم إلى عن طريق العقل، أي أن العقل هو الموجه للسلوكيات، وهي مرحلة لا يصل إليها المتوحد إلا من خلال التأمل والدرس المستمر. هذه الرؤية الفلسفية الناضجة وربما السباقة في منح الأولوية للعقل، فضلا عن ريادة ابن باجة في الفلسفة الأندلسية/ المغربية، دفعت تلميذه علي الغرناطي ليقول عنه: «كان أعجوبة دهره ونادرة الفلك في زمانه»، أما الفيلسوف ابن طفيل فقال عن ابن باجة: «ولم يكن فيهم، يقصد المشتغلين بالفلسفة في بداية دخولها إلى الأندلس، أثقب ذهناً ولا أصدق رؤية من أبي بكر بن باجة».
تتسم رسالة «تدبير المتوحد» بالصعوبة أحيانا، وتمتلئ بالكثير من الرموز، ونتيجة لأهميتها وعد ابن رشد بتقديم قراءة لها: «أراد أبو بكر بن الصائغ أن يختط خطة لتدبير المتوحد في هذه الأمة، ولكنه لم ينجزها، وكثير منها غامض، وسنحاول، لاحقاً، شرح غاية المؤلف من هذه الرسالة لأنه أول من سار في هذا المضمار، ولم يسبقه فيه أحد». وهنا تكتسب الرسالة أهمية مضاعفة، فبشهادة ابن رشد كان ابن باجة أول من سار في هذا الطريق، وأراد من ذلك صياغة مشروع للأمة، يكون العقل/ الفيلسوف/ المتوحد فيه بمثابة القلب، ولكنه مشروع لم يكتمل، من ناحية، ولم يقم ابن رشد بأيه قراءة شارحة للرسالة من ناحية أخرى.
عناية فائقة بأرسطو
بعيداً عن الفلسفة اشتغل ابن باجة بالطب، بل وبرع فيه، وله كتب مفقودة في هذا الحقل، مثل «كتاب اختصار الحاوي للرازي»، «كتاب في الأدوية»، كتاب بعنوان «كلام على شيء من كتاب الأدوية المفردة لجالينوس»، وفي النبات: «كلام على بعض كتاب النبات لأرسطو طاليس»، «شرح كتاب السماع الطبيعي لأرسطو طاليس»، «قول على بعض كتاب الآثار العلوية لأرسطو طاليس»، «قول على بعض كتاب الكون والفساد لأرسطو طاليس»، وهنا نلاحظ تلك العناية الفائقة بكتابات أرسطو وشرحها، وبالإضافة إلى ذلك ترك ابن باجة مؤلفات أخرى عن الهندسة وفي الموسيقى وعلم الفلك، ويصل البعض بكتاباته إلى 27 مؤلفا.
ويمنحنا كتاب «رسائل فلسفية» فرصة للتعرف إلى مجالات اهتمام هذا الفيلسوف الموسوعي، حيث تجد أمامك معرفة واسعة بآراء بطليموس حول الفلك، وحديث عن الحركة وطبيعتها، وفي مكان آخر من الرسائل آراء في الهندسة وأشكالها وتفصيل واضح في المخروط، وتستمتع وأنت تقرأ عن رأيه في الألحان وما ينبغي للعازف القيام به حتى يُطرب المستمعين إليه: «وينبغي للضارب إذا أراد أن يوفي النغم حقه ويبلغ بالأنفاس غاياتها، أن يلتفت إلى المخارج الأربعة، وهي الصدر والحلق والجبهة والرأس».
ابن باجة فيلسوف موسوعي مارس الطب والموسيقى وله آراء في الهندسة والفلك وحتى تخطيط المدن، هدف من كتاباته إلى الوصول إلى تلك الغاية الكبرى لسؤال الفلسفة في كل العصور، ونعني بها السعادة من خلال إعمال العقل لترشيد السلوك وصولاً إلى تأسيس المدينة الفاضلة على الأخلاق. العقل هو الركيزة الأولى في تأسيس تلك المدينة التي حلم بها الفلاسفة على مر العصور، فمن دون عقل لا يمكن تفعيل قيم الحوار أو مبادئ التعايش المشترك، من دون عقل لا يمكن للعقد الاجتماعي أن يكتسب أي شرعية، ويتحول الواقع إلى كابوس، من دون عقل لا يمكن للعمران أن يستقر أو يستقيم. إن درس ابن باجة الذي حاول أن يعبر عنه في «تدبير المتوحد» وفي رسائله الأخرى، هو أن الحضارة لا يمكن أن تتأسس أو تتقدم من دون أن تعطي الأولوية للنظر العقلي السليم في مختلف شؤونها.