مثل كل النحاة واللغويين يبدأ سيبويه «الكتاب»، بحلم الإلمام بفضاءات اللغة المختلفة، يقول: هذا باب علم الكلم من العربية، ثم يسترسل في شرح مكونات الكلام نفسه: «فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل»، وفي مكان آخر يمسك بمشرط الجراح ليقوم بتشريح الكلمة «هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية، وهي تجري على ثمانية مجار، على النصب والجر والرفع والجزم والفتح والضم والكسر والوقف».
البدايات
عندما نقرأ «الكتاب» لسيبويه نكتشف أننا أمام عاشق للغة وقواعدها، وتتردد قصة عن سبب هذا العشق مؤداها أن عالمنا كان يكتب يوما أحد أحاديث النبي الكريم وراء حماد بن سلمة، والذي سرد الحديث قائلاً: «ليس من أصحابي أحد إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء»، فقال سيبويه «ليس أبو الدرداء» فصاح به حماد «لحنت يا سيبويه»، فقال: لا جرم لأطلبن علماً لا يلحنني معه أحد»، وبعد ذلك تتلمذ سيبويه على الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو يقتبس عنه كثيرا في «الكتاب»، ويصل البعض إلى أن عدد إحالات سيبويه إلى الفراهيدي تصل إلى 552 مرة، وتتلمذ أيضاً على أبي زيد النحوي وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمرو.
أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر المشهور بسيبويه، وتعني بالفارسية رائحة التفاح أو المطيب برائحة التفاح، ولد حوالي عام 148 ه، في قرية البيضاء، والتي تبعد ثمانية فراسخ عن مدينة شيراز، ونشأ في البصرة، بدأ حياته بدراسة الفقه والحديث النبوي حتى خطأه حماد بن سلمة فقرر التوجه لدراسة النحو كما أشرنا سابقاً، المعلومات عن حياته قليلة، وتوفي في عام 180 أو 188 ه، وفي هذه الحياة القصيرة وضع أهم كتاب في تاريخ النحو العربي.
تحدث الكثيرون عن مكانة سيبويه العلمية، قال عنه الجاحظ: «لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال»، أما الذهبي فيصفه بحجة العرب: «إمام النحو، حجة العرب.. قد طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل العصر، وألف فيه كتابه الكبير الذي لا يُدرك شأوه فيه»، أما المبرد فأكد أن من يدرس كتاب سيبويه لا يحتاج إلى غيره. الزجاج النحوي الشهير بدوره قال عنه: «إذا تأملت الأمثلة من كتاب سيبويه تبينت أنه أعلم الناس باللغة»، ولنستمع إلى ابن كثير هو يتحدث عن كتاب سيبويه بلغة شعرية جذابة قائلا: «صنف في النحو كتاباً لا يلحق شأوه وشرحه أئمة النحاة بعده فانغمروا في لجج بحره، واستخرجوا من درره، ولم يبلغوا إلى قعره»، أما صاعد الأندلسي فقال:«لا أعرف كتاباً في علم من العلوم قديمها وحديثها اشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب، أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني أرسطو طاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له».
في عصر سيبويه توزعت علوم اللغة بين مدرستي البصرة والكوفة، ونشأ بينهما النزاع وأحيانا الخصام، ويقارن الزيات بين المدرستين في كتابه السابق الإشارة إليه بالقول: «ومنشأ الخلاف بينهما أن البصريين يقدمون السماع، فلا يرون القياس إلا في حال تضطرهم، ويتشددون في الرواية، فلا يأخذون إلا عن الفصحاء الخلّص من صميم العرب لكثرة هؤلاء في البصرة وقربها من عامر البادية. أما الكوفيون فلاختلاطهم بأهل السواد والنبط يعتمدون في أكثر المسائل على القياس، ولا يتحرجون في الأخذ عن أعراب لا يؤمن البصريون بفصاحة لغتهم. فأهل البصرة أوسع دراية، وأوثق رواية، ولكن العباسيين آثروا الكوفيين عليهم لالتجائهم إليهم، ولقرب الكوفة من بغداد».
هذا النزاع بين البصرة والكوفة في العلم انعكس بقوة على حياة سيبويه، فهناك قصة شهيرة تروى في أكثر من مصدر عن مناظرة وقعت بين سيبويه والكسائي إمام مدرسة الكوفة في مجلس الخليفة الأمين، حيث سأل هذا الأخير سيبويه: ما تقول في قول العرب كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها، فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: بل العرب ترفع ذلك وتنصبه. فلما اشتد الجدل بينهما تحاكما إلى أعرابي خالص اللهجة فصوّب سيبويه، ولكن الأمين انحاز للكسائي. ويقال إن سيبويه عاد بعد ذلك إلى قريته ولم تمض فترة قصيرة حتى توفي.
كتاب سيبويه فضاء كامل يمتد ليشتمل على كثير من أركان اللغة العربية وقضاياها التي لا تزال مثار نقاش حتى الآن، عندما تفتح الكتاب تستمتع بحديثه عن الكلام ومكوناته وستصادفك قواعد نحوية لا نهاية لها، وستعثر هنا وهناك على ما يؤسس لقواعد منطقية للغة، وربما وجدت هذا الباب شديد التعقيد، ولكنه لا يلبث أن يحدثك بحس أدبي في باب آخر، هو كتاب علمي وإمتاعي في الوقت نفسه، يقول مثلاً عن تركيبة الفعل: «وأما الفعل فأمثلة أُخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع، فأما بناء ما مضى فذهب وسمع ومكث وحُمد. وأما بناء ما لم يقع فمنه قولك آمرا: اذهب واقتل واضرب...فهذه الأمثلة التي أخذت من لفظ أحداث الأسماء لها أبنية كثيرة والأحداث نحو الضرب والحمد والقتل».
اللفظ والمعنى
عن علاقة اللفظ والمعنى عند العرب، تلك التي قتلت بحثا في الأدبيات المعاصرة وخضعت لوجهات نظر شتى، يقول سيبويه: «اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، ثم يتابع موضحا ذلك: فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب. واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهب وانطلق. واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضالة.. وأشباه ذا كثير».
يخضع سيبويه الكلام أيضا لمنطق العقل، فمنه المستقيم الحسن والمحال، والمستقيم الكذب، والمستقيم القبيح، وما هو محال كذب، «وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل وشربت ماء البحر. وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه، نحو قولك: قد زيداً رأيت، وكي زيداً يأتيك، وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس. واعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام».
كتاب سيبويه ينقسم إلى أبواب عديدة، ويقع في أربعة مجلدات ولا توجد مقدمة أو خاتمة للكتاب، وربما وفاته المبكرة لم تتح له ذلك، ولم تتح له أيضا الكتابة في موضوع آخر، ولكن الكتاب يمتلئ بآلاف الشروحات للقواعد، هنا يحلل التراكيب، وهناك يؤول الألفاظ، وفي مكان ما تجده يوازن ويقيس، وفي مكان آخر يكثر من الاستشهادات القرآنية والنبوية والشعرية وكلام الأعراب، يروي القراءات ويستند إلى روايات العلماء، يناقش ويتلمس العلل ويبحث في الأسباب، وتراه أحيانا يرجح كفة الذائقة، ولكن في جميع شروحاته تشعر بتماسك منطقي ناتج عن إيمان بوحدة اللغة وتناغم مكوناتها المتعددة.
عاش إمام النحاة في القرن الثاني الهجري، ولنا أن نتخيل تلك الحياة القصيرة، التي عمل فيها صاحبها ليضع كتابا يظل لقرون طويلة المرجع الأساسي لعلم قواعد العربية، ويحظى بمئات الشروحات، يمضي أوقاته يدرس في هذا الكتاب أو يستمع إلى أحد الأعراب، أو يجلس في حلقة هذا العالم أو يتردد عليه باستمرار، حتى استقبله الفراهيدي في بيته يوما بالقول: «مرحبا بزائر لا يمل». بدأ بدراسة علم ثم توجه إلى دراسة علم آخر حيث لم يكن هناك ذلك الفصل القسري بين حقول المعرفة المختلفة. عاش في عصر الجدل الفكري المثمر والخلاق الذي يجب علينا دراسة مفرداته ومنمنماته أكثر من مرة.