هل يمكن شرح قضية الأسهم الفاسدة للناس العاديين الذين لا يعرفون ألف باء الاقتصاد؟ وهل يمكن تبسيط القضية من دون المس بجوهرها؟ هذا السؤال راودني منذ اليوم التالي للانهيار الكبير الذي طرأ على البورصات العالمية. بحثت مرارا عن اجابة شافية إلى ان فوجئت لدى البحث في الشبكة العنكبوتية والمدونات الخاصة باللغتين الفرنسية والانجليزية أن آخرين مثلي قد حاولوا الاجابة عن هذا السؤال كل بطريقته الخاصة. لذا ابادر مستفيدا من حصيلة تجاربهم إلى صياغة سيناريو
للأزمة علّه يكون مفهوماً من الجميع كباراً وصغاراً.
لنفترض أن صاحب الميني ماركت المجاور للمنزل يدعى عبدالكريم وأن زبائنه من العاطلين عن العمل الذين لا يستطيعون تسديد ثمن مشترياتهم. وقرر عبد الكريم، لكي يحافظ على زبائنه أن يبيعهم سلعا بالدين المؤجل إلى زمن غير محدد. أقبل الزبائن بكثرة إلى بقالة صاحبنا، بل تضاعف عددهم، ومع الاقبال الكثيف على دكانه رفع الأسعار وحصل من الزبائن على ايصالات بالشراء من محله دون الاشارة إلى حالتهم المهنية أو البيع بالدين. ومن ثم حمل الايصالات الموقعة إلى المصرف الذي يودع فيه امواله وحساباته، الأمر الذي دفع البنك إلى زيادة رأسماله وتغطية مشترياته بالجملة بكميات أكبر وتصنيفه بين الزبائن الذين يديرون نشاطاً اقتصادياً فعالاً.
لم يلتفت مدير البنك المحلي الذي يشرف على حسابات البقال إلى حال زبائنه ولم يتحقق من كونهم عاطلين عن العمل، وبالتالي لا يستطيعون تسديد ثمن مشترياتهم، ولكنه بالمقابل ضاعف قروض صاحبنا وعرض ايصالاته على وسطاء في البورصة من المتعاملين معه فقام هؤلاء بتحويلها إلى أسهم مختصرة بأحرفها الاولى(ب.ت.ر) و( س. س. ب) و( ع. و.ل)... الخ وهي مختصرات لا يمكن للعامة أن تدرك معناها وتفك طلاسمها.
في المرحلة التالية تنتقل هذه الأسهم الفاسدة إلى البورصات العالمية في لندن وباريس وروما وطوكيو وغيرها، وتدخل في عمليات البيع والشراء من دون أن يعرف أحد شيئاً عنها، ولكنها تعامل كأصول موثوقة لسنوات طويلة في بورصات تابعة لأكثر من خمسين بلدا إلى أن يتنامى إلى علم احد المستثمرين أن الايصالات التي تقدم بها صاحب البقالة عائدة لعاطلين عن العمل لا يملكون شروى نقير، وبالتالي لاقيمة لتواقيعهم، الأمر الذي يؤدي على الفور إلى افلاس البقالة واقفالها ومن ثم إلى انهيار الأسهم التابعة لها بطريقة مفاجئة، ومع هذا الانهيار تتأثر سلبا الأسهم الصحيحة وتباشر البورصات بالسقوط عموديا الواحدة تلو الأخرى، وتصاب الاسواق جميعها بعدوى الأسهم الفاسدة وتنفجر الفقاعة المالية، وتستقر الأزمة في النفوس، ويتعذر استرداد ثقة المستثمرين بسهولة وتلوح بوادر أزمة رأسمالية طويلة الأمد.
في مواجهة الانهيار تعمد الدولة إلى ضخ السيولة اللازمة وتغطي الأسهم الفاسدة، أو جزءاً كبيراً من قيمتها، علّ الاسواق تستعيد ثقة المتعاملين الذين يستأنفون تعاملاتهم بحذر يحدوهم أمل باستعادة جزء من خسائرهم الأمر الذي لايتناسب مع حاجة الاسواق إلى فيضان مالي والى ثقة مطلقة حتى تستأنف سيرتها. تتدخل الدولة مجددا عبر دعم المصارف وتأميم الأضعف من بينها كليا وجزئيا. تؤدي هذه الخطوة إلى تحريك الأسواق مجدداً، ولكن لزمن محدود لتستأنف مرة أخرى هبوطها. تتدخل الدول ذات الاقتصادات الكبيرة وتتوصل إلى مساومة جديدة تنشط الأسواق مجددا، بيد أن الخلاف بين الدول المعنية على وسائل معالجة الانهيار على مدى اطول تنشر المزيد من الغموض بين المتعاملين في البورصات فتتدخل مجددا الدول الاهم اقتصاديا ويتم تخفيض اسعار الفائدة على بعض العملات الصعبة لتسهيل الاستثمار والاقتراض، غير أن التخفيض يترافق مع اعلانات عن الركود في اوروبا والولايات المتحدة وعن تراجع النمو في الصين الأمر الذي يحمل الدول الأهم إلى الاجتماع مجددا للبحث في توفير الحلول المناسبة للأزمة، كما حصل مؤخرا في قمة العشرين، فتستعيد الاسواق حركتها النشطة من دون استعادة ثقة المتعاملين تماماً فتتحرك البورصات كالعادة لفترة محدودة بانتظار اجتماع جديد وإجراءات أخرى.
على الرغم من التبسيط الوارد في السطور السابقة فقد لا يتمكن الجميع من إدراك كل ابعاد الأزمة وقد لا يتمكن كثيرون من التحكم بمسارها والعثور على الطرق المفيدة للتعاطي معها، لا بل يمكن القول ان الانهيار الكبير الذي نعيش اليوم تفاصيله ونتحمل نتائجه ربما تجاوز بحجمه أصحاب القرار انفسهم، ذلك بأن قراراتهم تصطدم بجدار الأزمة من دون أن تنفذ إلى جوهرها، ما يعني أن الأزمة المالية الراهنة أقوى من كل اللاعبين وتحتاج إلى إجراءات تاريخية لم تتسلل إلى مخيلة المعنيين مع الاسف حتى هذه اللحظة.