على الرغم من الهدوء الظاهري الذي يسود الضفة الغربية المحتلة، إلا أن هذا الهدوء يبدو خادعاً، بالنظر إلى التحذيرات التي يطلقها كبار المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، وبالنظر إلى العوامل الكامنة، وحالة الغليان الفلسطينية جراء اعتداءات المستوطنين المتصاعدة، والتي تشي بأن الضفة باتت على حافة الانفجار.
يستغرب قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، الجنرال آفي بلوط، من عدم اندلاع انتفاضة فلسطينية، حتى الآن، ويصف ذلك بأنه يشبه المعجزة، مشيراً إلى أنه حذّر نتنياهو من احتمال حدوث الانفجار في أيّ وقت رداً على عنف المستوطنين، ويرى أن الانتفاضة الفلسطينية باتت حتمية.
وكان رئيس جهاز «الموساد» الأسبق، تامير باردو، قد أدلى بتحذيرات مشابهة، وزاد عليها أنه يعرب عن خجله من إرهاب المستوطنين، وقيامهم بإحراق منازل الفلسطينيين وقراهم، والاستيلاء على أراضيهم ومزارعهم، وتهجيرهم من مناطق سكناهم، وصولاً إلى إطلاق النار عليهم وقتلهم من دون أية مساءلة. لكن قائد الجيش الإسرائيلي يميّز بين من يسمّيهم مستوطنين «شرعيين»، وآخرين متطرفين، وهم فئة قليلة، حسب رأيه، قبل أن يعترف بأن المجتمع الإسرائيلي، بأغلبيته الساحقة، بات أكثر يمينية وتطرّفاً. وفي الحالتين، فهو لا يقوم بمنع اعتداءات المستوطنين لأسباب اجتماعية، كما يسمّيها، بل على العكس يقوم بتوفير الحماية لهم، وحتى مشاركتهم بقمع أيّ ردود فعل فلسطينية انسجاماً مع تعليمات القيادة السياسية، ما يعني أنها عملياً أصبحت سياسة رسمية إسرائيلية.
هذا الواقع الذي لم يُعد خافياً على أحد، لم يأت صدفة، وإنما جاء بسبب سياسات الاحتلال، والكمّ الهائل من الإجراءات المتراكمة عبر التشريعات والأوامر العسكرية للاستيلاء على الأرض، وإفراغها من سكانها، وخلق كل الظروف المؤدية إلى زعزعة استقرار الفلسطينيين على أرضهم، ودفعهم إلى الهجرة. وقد أسندت هذه المهمة إلى المستوطنين كأداة تنفيذية جديدة، وبحماية جيش الاحتلال، بعد قيام الوزير المتطرف، بن غفير، بتسليح عشرات الآلاف منهم، لأسباب تتعلق بالمساءلة والقوانين الدولية، التي لم تأخذها إسرائيل يوماً على محمل الجد.
ما يحدث الآن هو استباحة كاملة للضفة الغربية، لا تخلو من استغلال انشغال المجتمع الدولي بالتوتر الناجم عن التصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة. ولكن حتى قبل هذا التوتر، كان إرهاب المستوطنين يتصاعد، والوحش الاستيطاني يتمدّد بسرعة لابتلاع كل الضفة الغربية، وفرض الضم كأمر واقع، من دون أن يكون هناك ضرورة لإعلانه. ومع ذلك، لم يرتقِ ردّ الفعل الدولي الخجول والمتردّد حتى في فرض عقوبات على زعماء المستوطنين المتطرفين، ولا التحذيرات التي أطلقتها الأمم المتحدة عن «التطهير العرقي» أو قيام نظام «فصل عنصري» حقيقي في الضفة الغربية، إلى مستوى الحسم، أو إشهار موقف دولي رادع في وجه الغطرسة والتغول الاستيطاني الإسرائيلي. وبالتالي، لم يعُد الانفجار الشعبي الفلسطيني الكبير في الضفة الغربية مستغرباً، أو مستبعداً، بغضّ النظر عن التحذيرات الإسرائيلية.
