اريك دريتسر*
ما من شك في أن الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بروسيا، تعلق أهمية استراتيجية عظيمة على حفظ وتوسيع الوجود الأمريكي العسكري القوي في البحر الأسود وحوله. والتحركات الأخيرة للقوات العسكرية للولايات المتحدة والناتو تجعل هذه الحقيقة أوضح من ذي قبل. وبعد أن نشرت واشنطن قدْراً كبيراً من القوات في البلدان الساحلية، علاوة على الشروع في سلسلة من التدريبات والمناورات العسكرية المهمة، تقوم بتوكيد التزامها القاطع بتصعيد الصراع مع روسيا. 
قبل سنة تقريباً، وفي يونيو/ حزيران 2014، كشف وزير الدفاع الأمريكي السابق، تشاك هاغل، عن النوايا الأمريكية. ففي أعقاب إعلان الرئيس أوباما عن تدعيم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا الشرقية بمقدار مليار دولار، ذكر هاغل أن الالتزام بهذا المبلغ يرمي إلى «تعزيز وجود السفن الأمريكية في البحر الأسود، وأن الولايات المتحدة سوف تمضي في ذلك قُدماً». ومعنى ذلك بلغة أقرب إلى الفهم، أن الولايات المتحدة خصصت استثماراً نقدياً مهمّاً للتوسيع الدائم لوجودها العسكري في البحر الأسود ومن حوله.
ودوام هذا الالتزام الجديد هو الذي يلفت النظر، لأنه- خلافاً للكثير من الخداع والتهديد والوعيد من قِبل واشنطن بشأن أوكرانيا والمسائل المرتبطة بها- يمثل انتشاراً عسكرياً ذا قيمة تكتيكية حقيقية. وهو ليس مجرد خطاب بلاغي، بل تصعيد عسكري. وقد تطورت هذه العملية خلال السنة التي انقضت على هذا الإعلان، بصورة جدّية. 
ويقود الجيش الأمريكي حاليّاً، أو سيقود في المستقبل القريب، سلسلة من التدريبات العسكرية المهمة في البحر الأسود. ويُعرف أحد أبرزها باسم «الشريك النبيل». وتجرى هذه السلسلة من التدريبات مع جورجيا، عضو حلف الناتو بحكم الواقع، التي أصبحت فعلياً ذراعاً متقدمة لقوات الحلف العسكرية. وكما ورد في الموقع الرسمي للجيش الأمريكي على الإنترنت، إذ سوف تدعم عملية «الشريك النبيل» مساهمة
جورجيا في قوة الرّد التابعة للناتو، بسَرية مشاة خفيفة، وسوف يركز التمرين على العمليات البرية الموحدة، ويوفر فرصة للجيش الأمريكي لكي يواصل علاقته التدريبية مع القوات الجورجية المسلحة، باعتباره راعياً لمشاركة جورجيا في قوات الرد التابعة للناتو.
وتوفر قوة ردّ الناتو، قوة ردّ عسكري سريع للنشر سريعاً، حيثما تقتضي الحاجة. وسوف يشتمل تمرين «الشريك النبيل» على نحو 600 جندي أمريكي وجورجي، ويحتوي على سلسلة كاملة من المعدات، وسوف تعمل القوات الجورجية جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية، وسوف يتألف التمرين من تدريب ميداني، ومناورات بالذخيرة الحية. 
ولكن، وكجزء من التدريب العسكري الأمريكي، يجري نقل كمية كبيرة من المعدات العسكرية عبر البحر الأسود في خطوة غير مسبوقة من قبل الولايات المتحدة، التي لم يسبق لها أن عاملت هذا الجسم المائي باعتباره باحتها الخلفية، بمثل هذه الجرأة. وكما جاء في صفحة الجيش الأمريكي على الإنترنت، فإن أربع عشرة عربة قتالية من طراز «برادلي»، والعديد من عربات الإسناد ونحو 748 طناً مترياً من الفولاذ والمطاط، عبرت البحر الأسود متجهة إلى ميناء باتومي، جورجيا، في 2 مايو/ أيار. وهذه هي المرة الأولى التي ينشر فيها الجيش الأمريكي سرية مُمَكننة بتجهيزات مهمة عبر البحر الأسود. وستدعم المعدات الكتيبة الثانية، وفوج المشاة السابع، وجنود فرقة المشاة الثالثة، المشاركين في مناورات “الشريك النبيل”. 
وإضافة إلى تعليقات هاغل قبل عام، يغدو واضحاً أن الولايات المتحدة ملتزمة بتصعيد وجودها العسكري في البحر الأسود. ومن البدهي بطبيعة الحال، أن مثل ذلك التطور الاستراتيجي لا بد أن يعتبر محاولة للتفوق على روسيا وتخويفها، في مجال نفوذها التقليدي. 
وعلاوة على ذلك، وبالتزامن مع هذه التدريبات العسكرية، هنالك مناورات «الرمح السريع 2015»، التي- كما قال الأميرال البحري الأمريكي، مارك فيرغوسون- سوف «تختبر قدرة عنصر القيادة والتحكم في قوة الرد التابعة للناتو، على العمل بقدرتها التشغيلية الكاملة في موقع نشرها. وسوف تعزز مناورات “الرمح السريع 15”، خطة جاهزية الناتو للعمل». وينبغي أن تُفهم مناورات «الرمح السريع» على أنها محاولة لتهيئة بنية الناتو العسكرية لانتشار سريع محتمل في منطقة البحر الأسود، تحسباً في الظاهر لما يسميه الناتو عدواناً روسياً، بينما تسعى في الواقع إلى توسيع نطاق قدرة الناتو العسكرية، على خلفية الحرب في أوكرانيا وتزايد التوترات مع موسكو. 
لم يحدث في أي وقت خلال الحرب الباردة، أن انخرطت الولايات المتحدة في مثل هذه الأعمال العدائية والقتالية المكشوفة، المصمَّمة للاستفزاز أكثر مما هي للدفاع. ويبدو أن السياسة الآن، تتمثل في التحضير للحرب، والعمل في الوقت ذاته على أن تحقق هذه الحرب أهدافها. 
وهنالك تحركات عسكرية مهمة أخرى قامت بها الولايات المتحدة والناتو في البحر الأسود في الشهور الأخيرة، وكلها مصممة لإرسال تحذير صارم لروسيا. 
وعلاوة على هذه المناورات، وضعت الولايات المتحدة قدرات كبرى في البحر الأسود وحوله للمشاركة في سلسلة من المناورات التي تجرى لمرة واحدة وسلسلة من التمارين في العام الماضي، حتى قبل تصريح الوزير هاغل العلني في يونيو/حزيران 2014.
ومن المهم أن نلاحظ أن تحركات روسيا في القرم عام 2014، جاءت بعد أيام فقط من إدخال تلك القدرات البحرية الأمريكية في البحر الأسود. وكل مَن يخامره شك في أن قرار موسكو دعْمَ تصويت القرم على إعادة الانضمام إلى الاتحاد الفيدرالي الروسي كان مدفوعاً بأي شيء سوى البراغماتية العسكرية والاستراتيجية، عليه أن يراجع الجدول الزمني للأحداث. 
ويوضح كل ذلك، أن الولايات المتحدة وترسانتها المتمثلة في حلف الناتو، تحث الخطى نحو «تمحور» سيجعل قواتها مركزة في البحر الأسود، في الوقت الذي حولت فيه الاهتمام إلى بحر البلطيق بدرجة أكبر في الشهور الأخيرة. ولا يتطلب الأمر قدرات خارقة لاستنتاج ما تنويه الولايات المتحدة: وهو استمرار التصعيد، وجاهزية القوات، واتباع التخويف ضد موسكو. ولكن، من الواضح بالدرجة ذاتها، أن هذه التحركات الاستفزازية، تحمل في طياتها خطر ارتكاب زلة ما، أو وقوع حادث أو سوء فهم، يشعل فتيل صراع عسكري عظيم.
وبالنظر إلى الأطراف التي تدخل في ذلك، فإن مثل هذا الخطأ قد يثير شرارة حرب عالمية ثالثة.
*محلل جيوسياسي أمريكي مستقل  (موقع غلوبال ريسيرتش)