الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ذكرى «النصر» وقود الحرب

9 مايو 2026 00:22 صباحًا | آخر تحديث: 9 مايو 00:23 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تعد ذكرى «9 مايو» مجرد طقس بروتوكولي يستعرض فيه الكرملين عضلاته العسكرية في الساحة الحمراء، بل تحولت في ظل الصراع الراهن إلى مؤشر استراتيجي يقيس مدى اشتعال الجبهات.
فخلف مشهد العروض العسكرية المختصرة والمدرعات الغائبة، تكمن معادلة أمنية معقدة وضعت موسكو وكييف في حالة استنفار قصوى، حيث لم يعد الرهان على كسب الأرض فحسب، بل على حماية الرمزية السياسية من «إهانة» المسيرات أو الضربات البعيدة التي طالت العمق الروسي.
القراءة للمشهد تشير إلى أننا أمام «حرب هدن» وتكتيكات تهدف إلى رمي الكرة في ملعب الآخر، فإعلان أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار سبقه تحرك روسي مماثل، لكن الواقع الميداني كشف «زيف» هذه المبادرات التي ولدت ميتة.
بالنسبة لكييف، فإن التهديد باستهداف الداخل الروسي خلال الاحتفالات هو رسالة سياسية مفادها أن «الأمن القومي الروسي» بات مهدداً، بينما ترى موسكو في تقليص عرضها العسكري وتحذيرها من «ضربة انتقامية كبيرة» تستهدف وسط كييف، محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة تمنع أي تحرك أوكراني قد يفسد مشهد النصر السنوي.
يعكس التحذير الروسي الصارم الموجه للسفارات الأجنبية بضرورة الإخلاء، تحولاً جذرياً من الدفاع عن الحدود إلى التهديد المباشر بقطع «رأس النظام» في كييف، فموسكو التي تواجه ضغوطاً ميدانية، لا سيما بعد تقارير تشير إلى فقدانها السيطرة على بعض الأراضي في إبريل/ نيسان الماضي، تجد في ذكرى النصر فرصة لاستعادة زمام المبادرة عبر التهديد ب«الخيار الصاروخي الأقصى»، وهو نوع من الردع النفسي الذي يهدف إلى شل القدرة الأوكرانية عن التفكير في أي هجوم مباغت قد يطول الساحة الحمراء، وحلفائها أيضاً.
أما أوكرانيا فإنها تدرك أن أي تصعيد واسع في هذا التوقيت قد يمنح موسكو الذريعة السياسية لتوسيع رقعة التدمير، ومع ذلك، فإن تكثيف الهجمات بالمسيرات يؤكد أن كييف تتبع استراتيجية «الاستنزاف النوعي»، التي تركز على إحراج القيادة الروسية أمام جمهورها الداخلي عبر تقليص هيبة الاحتفالات التقليدية، لكن في المقابل فإن العرض العسكري الذي سيقام بلا معدات ثقيلة لأول مرة منذ عقود، يرسل إشارة واضحة من روسيا بأن «أدوات النصر» باتت مطلوبة على خطوط التماس في دونيتسك وزابورجيا أكثر من حاجتها في ميادين الاستعراض.
نحن اليوم أمام مشهد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، فالمناسبة التي خصصت لتخليد نهاية الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم وقوداً لإذكاء صراع حديث لا يعترف بالخطوط الحمراء.
وبين الوعيد الروسي بضرب «مراكز صنع القرار» والرد الأوكراني «بالمثل»، تبدو الهدن مجرد فواصل زمنية قصيرة لجولات أكثر عنفاً، والثابت الوحيد هو أن ذكرى النصر لم تعد توحد أحداً، بل أصبحت محطة صراع يختبر فيها كل طرف قدرته على الصمود في وجه التحولات الميدانية المتسارعة، وسط غياب تام لأي أفق دبلوماسي حقيقي يوقف نزيف الميدان.

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه